فهو حوار التدرج من توحيد الفطرة إلى التوحيد القائم على المنطق والبرهان والاستدلال، الذي فند دعاوى وحجج الخصوم .. والاستدلال اليقينى (وليكون من الموقنين (وليس فيه انتقال من الشرك إلى التوحيد.
تلك هي الحقيقة التي رجحها المفسرون.
* فالقرطبي، أبو عبد الله محمد بن أحمد الأنصارى [671 ه - 1273 م] يقول في تفسيره [الجامع لأحكام القرآن] - مورد الآراء المختلفة حول هذا الموضوع:
قوله تعالى: (هذا ربي (اختلف في معناه على أقوال، فقيل: كان هذا منه في مُهلة النظر وحال الطفوليّة وقبل قيام الحجة، وفي تلك الحال لا يكون كفر ولا إيمان.
وقال قوم: هذا لا يصح، وقالوا: غير جائز أن يكون لله تعالى رسول يأتي عليه وقت من الأوقات إلا وهو لله تعالى موحِّد وبه عارف، ومن كل معبود سواه برئ. قالوا: وكيف يصح أن يتوهم هذا على من عصمه الله وأتاه رشده من قبلُ، وأراه ملكوته ليكون من الموقنين، ولا يجوز أن يوصف بالخلو من المعرفة، بل عرف الرب أول النظر .. وقد أخبر الله تعالى عن إبراهيم أنه قال: (واجنبنى وبنيّ أن نعبد الأصنام) (4) وقال عز وجل: (إذ جاء ربه بقلب سليم) أي لم يشرك قط .. لقد قال: (هذا ربي (على قول قومه، لأنهم كانوا يعبدون الأصنام والشمس والقمر. ونظير هذا قوله تعالى:(أين شركائي) . وهو جل وعلا واحد لا شريك له، والمعنى: أين شركائى على قولكم ..
وقيل: إنما قال: (هذا ربي (لتقرير الحُجة على قومه، فأظهر موافقتهم، فلما أفل النجم قرّر الحُجة، وقال: ما تَغَيَّرَ لا يجوز أن يكون ربًّا، وكانوا يعظمون النجوم ويعبدونها ويحكمون بها.
ومن أحسن ما قيل في هذا ما صح عن ابن عباس أنه قال في قوله - عز وجل -: (نور على نور) (7) قال: كذلك قلب المؤمن يعرف الله عز وجل ويستدل عليه بقلبه، فإذا عرفه ازداد نورًا على نور، وكذلك إبراهيم - عليه السلام - ، عرف الله عز وجل بقلبه واستدل عليه بدلائله، فعلم أن له ربًّا وخالقًا. فلما عرَّفه الله عز وجل بنفسه ازداد معرفة فقال: (أتحاجونى في الله وقد هدان) .
وقيل: هو على معنى الاستفهام والتوبيخ، منكرًا لفعلهم، والمعنى: أهذا ربي، أو مثل هذا يكون ربًّا؟! فحذف الهمزة. وفي التنزيل:" (أفإن مت فهم الخالدون) . أي أفهم الخالدون؟ ..".