أي أنه يقول له: اطمئن ، لن يرانا أحد ؛ لأننا في معية الله ، وسبحانه لا تدركه الأبصار . وحين يكون الضعيف في معية القوي فقانون القوى هو الذي يتغلب ، فلا يصبح الضعيف ضعيفاً ، فحين يكون هناك ولد بين الأطفال الذين في مثل سنّه ويضطهدونه ويؤلمونه ويؤذنه ، ثم يرونه في يد أبيه لا يجرؤ أحد منهم أن يأتي إلى ناحيته ، والناس لا يقدر بعضهم على بعض إلا إذا انفلتوا من معية الله ، ومَن في معية الله لا يجترئ عليه أحد أبداً . ولذلك يرسل لنا ربنا قضايا الملك وقضايا الملكوت ، ويمثلها في رسول الله من أول العزم من الرسل مع عبد صالح آتاه الله شيئاً من علمه وفيضه لأنه اتقاه .
يقول الحق سبحانه: {فَوَجَدَا عَبْداً مِّنْ عِبَادِنَآ آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْماً} [الكهف: 65] .
إن هذا العبد قد أخذ منهج الرسول الذي جاء به واتبعه ، فأداه حق الأداء فاتصل بالحق فأعطاه الحق من لدنه علماً . وحين ننظر في هذه القضية نتعجب لأننا نجد سيدنا موسى - ينظر في عالم الملك بينما ينظر من آتاه الله من لدنه رحمة ومن عنده علما ينظر من عالم الملكوت ، وموسى معذور ؛ لأنه ينظر في دائرة الأسباب ، والعبد الصالح معذور هو الآخر لأنه ينظر في دائرة ثانية ، ولذلك سيقول العبد الصالح: {وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي} .
أي أن المسألة ليست من ذاته ، بل هو مأمور بها . وحين ننظر إلى تقدير موقف كل منهما للآخر نجد العبد الصالح يقول: {إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْراً} . أي أن العبد الصالح يعذر موسى ، ويضيف: {وَكَيْفَ تَصْبِرُ على مَا لَمْ تُحِطْ بِهِ خُبْراً} [الكهف: 68]
فيقول القرآن على لسان موسى: {قَالَ ستجدني إِن شَآءَ الله صَابِراً وَلاَ أَعْصِي لَكَ أمْراً} [الكهف: 69]