يذكر هذا - واللَّه أعلم - ليعلموا أنه لما ضمن للخلق لكل منهم رزقه، يسوق إليه رزقه من غير تكلف ولا طلب؛ كما يسوق أرزاق كل ما في البر والبحر من غير طلب ولا تكلف، لا تضيق قلوبهم لذلك، فما بالكم تضيق قلوبكم على ذلك، وقد ضمن ذلك لكم كما ضمن لأُولَئِكَ؟!
والثالث: يعلم ما في البر والبحر من اختلاط الأقطار بعضها ببعض، ومن دخول بعض في بعض، يخرج هذا على الوعيد: أنه لما كان عالمًا بهذا كله يعلم بأعمالكم ومقاصدكم.
فَإِنْ قِيلَ: هذا الذي ذكر كله في الظاهر دعوى، فما الدليل على أنه كذلك؟
قيل: اتساق التدبير في كل شيء وآثاره فيه يدل على أنه كان بتدبير واحد؛ لأن آثار التدبير في كل شيء واتساقه على سنن واحد ظاهرة بادية، فذلك يدل على ما ذكر.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) الآية.
يحتمل الكتاب - هاهنا -: التقدير والحكم اختلف فيه؛ قَالَ بَعْضُهُمْ: قوله: (إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) أي: محفوظ كله عنده؛ يقول الرجل لآخر: عملك كله عندي مكتوب، يريد الحفظ، أي: محفوظ عندي، وذلك جائز في الكلام.
وقيل: الكتاب - هاهنا -: هو اللوح المحفوظ، أي: كله مبين فيه.
وقال الحسن - رحمه اللَّه -: إن اللَّه يخرج كتابًا في كل ليلة قدر،
ويدفعه إلى الملائكة، وفيه مكتوب كل ما يكون في تلك السنة؛ ليحفظوه على ما يكون. أو كلام نحو هذا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ...(60)
قال بعض أهل الكلام: إن لكل حاسة من هذه الحواس روحًا تقبض عند النوم، ثم ترد إليها، سوى روح الحياة فإنها لا تقبض؛ لأنه يكون أصم بصيرًا متكلمًا ناطقًا، ويكون أعمى سميعًا، ويكون أخرس سميعًا بصيرًا، فثبت أن لكل حاسة من حواس النفس روحًا على حدة تقبض عند النوم، ثم ترد إليها إذا ذهب النوم.