وكان بعض العلماء يفرّق بين من بلغته الدعوة عن طريق مسلم مشافهة أو سماعا أو كتابة، وبين من لم يبلغه عن هذا الطريق، فمن قرأ عن الإسلام بقلم مسلم، أو سمع عن الإسلام بالراديو، أو التلفزيون، أو بالخطاب المباشر من مسلم، فقد قامت عليه الحجة، ويدخل في ذلك بلا شك من وقعت بيده ترجمة مسلم للقرآن الكريم، وعلى رأي هؤلاء فإن من لم يسمع عن رسول الله صلّى الله عليه وسلّم إلا من كافر فإنّ الحجة لم تقم عليه.
ويرى بعض العلماء أن مجرد السماع باسم محمد صلّى الله عليه وسلّم ورسالته، مع وجود القدرة على التعرّف من خلال الكتاب أو عن طريق مسلم كاف لإقامة الحجة، وعلى هذا فمتى وجد المسلم في مكان أو وجد الكتاب الذي يشرح الإسلام بلغة يفهمها أهل مكان، وتسامع أهل ذلك المكان باسم رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، فقد
قامت عليهم الحجة.
ولنا عودة على هذا الموضوع، ويكفي هنا أن نعرف أنّه حيث يستطيع المسلمون أن يبلغوا بالدعوة ثمّ لا يبلغون؛ فإنهم آثمون، والإثم يوجد حيث توجد الاستطاعة، واستطاعة كل إنسان بحسبه، وفي الحديث «بلّغوا عني ولو آية» ومن الحديث نفهم أنه يفترض على المسلمين التبليغ، وأنه بالآية تقوم الحجة، وفي الفوائد ما يؤكد هذا.
فوائد: حول الآيات (18 - 21)
1 -بدأ المقطع بإعطائنا تصورا عاما عن مضمون المقطع من خلال ذكر قهر الله، وعلمه وحكمته، وإذ ثبت القهر والعلم والحكمة لله - عزّ وجل - فقد أثبت الله أنه الأكبر شهادة، وشهد لرسوله صلّى الله عليه وسلّم بالرسالة، وأقام الحجة على ذلك بالقرآن،
وبالبشارات، وبيّن أنه لا أحد أظلم من الكافرين، وقد ختمت الآيات التي مرّت معنا بذكر أنّ أفظع الظلم ظلم الكافرين المفترين على الله، أو المكذبين بآياته؛ ومن ثم فإننا نفهم أن هناك تصورا خاصا للمسلمين حول مفهوم العدل والظلم، يفترق من الأساس مع أيّ تصور آخر في هذا العالم.
2 -دلّ قوله تعالى: أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً على أنّه يجوز إطلاق اسم الشيء على الله تعالى، فالشيء اسم للموجود، ولا يطلق على المعدوم، والله تعالى موجود ولذلك صح إطلاق لفظ الشيء عليه جل جلاله وسبحانه.