وَقَدِ اخْتَلَفَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي مَعْنَى الْعَذَابِ الَّذِي تَوَّعَدَ اللَّهُ بِهِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ أَنْ يَبْعَثَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ فَوْقِهِمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَمَّا الْعَذَابُ الَّذِي تَوَعَّدَهُمْ بِهِ أَنْ يَبْعَثَهُ عَلَيْهِ مِنْ فَوْقِهِمْ: فَالرَّجْمُ، وَأَمَّا الَّذِي تَوَعَّدَهُمْ أَنْ يَبْعَثَهُ عَلَيْهِمْ مِنْ تَحْتِهِمْ: فَالْخَسْفُ.
وَقَالَ آخَرُونَ: عَنَى بِالْعَذَابِ مِنْ فَوْقِكُمْ: أَئِمَّةَ السُّوءِ، أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمُ: الْخَدَمَ وَسَفَلَةَ النَّاسِ
وَأَوْلَى التَّأْوِيلَيْنِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ عِنْدِي قَوْلُ مَنْ قَالَ: عَنَى بِالْعَذَابِ مِنْ فَوْقِهِمُ الرَّجْمَ أَوِ الطُّوفَانَ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِمَّا يَنْزِلُ عَلَيْهِمْ مِنْ فَوْقِ رؤُوسِهِمْ، وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمُ: الْخَسْفُ وَمَا أَشْبَهَهُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْمَعْرُوفَ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ مِنْ مَعْنَى (فَوْقَ) وَ (تَحْتَ) الْأَرْجُلِ، هُوَ ذَلِكَ دُونَ غَيْرِهِ، وَإِنْ كَانَ لِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ وَجْهٌ صَحِيحٌ، غَيْرَ أَنَّ الْكَلَامَ إِذَا تُنُوزِعَ فِي تَأْوِيلِهِ فَحَمْلُهُ عَلَى الْأَغْلَبِ الْأَشْهَرِ مِنْ مَعْنَاهُ أَحَقُّ وَأَوْلَى مِنْ غَيْرِهِ مَا لَمْ يَأْتِ حُجَّةٌ مَانِعَةٌ مِنْ ذَلِكَ يَجِبُ التَّسْلِيمُ لَهَا.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَوْ يَخْلِطَكُمْ شِيَعًا: فِرَقًا، وَاحِدَتُهَا شِيعَةٌ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {يَلْبِسَكُمْ} فَهُوَ مِنْ قَوْلِكَ: لَبَسْتُ عَلَيْهِ الْأَمْرَ، إِذَا خَلَطْتُ، فَأَنَا أَلْبَسُهُ.
وَإِنَّمَا قُلْتُ إِنَّ ذَلِكَ كَذَلِكَ، لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْقُرَّاءِ فِي ذَلِكَ بِكَسْرِ الْبَاءِ، فَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ بَيِّنٌ عَلَى أَنَّهُ مِنْ لَبَسَ يَلْبِسُ، وَذَلِكَ هُوَ مَعْنَى الْخَلْطِ.
وَإِنَّمَا عَنَى بِذَلِكَ: أَوْ يَخْلِطَكُمْ أَهْوَاءً مُخْتَلِفَةً وَأَحْزَابًا مُفْتَرِقَةً.