قلت: لا بد أن يكون النص صحيحا مسلما به عند الجميع، ولا بد أن يكون صريح الدلالة على المعنى المراد، ولا بد أن يسلم من معارض مثله أو أقوى منه من نصوص الشريعة الجزئية أو قواعدها الكلية، فقد يكون النص صحيحا عند إمام، ضعيفا عند غيره، وقد يصح عنده، ولكن لا يسلم بدلالته على المراد، فقد يكون عند هذا عاما وعند غيره خاصا، وقد يكون عند إمام مطلقا، وعند آخر مقيدا، وقد يراه هذا دليلا على الوجوب أو الحرمة، ويراه ذلك دالا على الاستحباب أو الكراهية، وقد يعتبره بعضهم محكما، ويراه غيره منسوخا، إلى غير ذلك من الاعتبارات التي ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه (رفع الملام عن الأئمة الأعلام) وذكرها حكيم الإسلام ولي الله الدهلوي في كتابه (حجة الله البالغة) وفي رسالة (الإنصاف في أسباب الاختلاف) وفصلها العلامة الشيخ علي الخفيف في كتاب (أسباب اختلاف الفقهاء) -
ولعل أعدل ما قيل في التقليد والتمذهب ما قاله الشهيد حسن البنا رضي الله عنه في أصوله العشرين: (لكل مسلم لم يبلغ درجة النظر في أدلة الأحكام الشرعية أن يتبع إماما من أئمة الدين، ويحسن به مع ذلك أن يتعرف على أدلة إمامه ما استطاع، وأن يتقبل كل إرشاد مصحوب بالدليل، متى صح عنده صدق من أرشده وكفايته - - وأن يستكمل نقصه العلمي ـ إن كان من أهل العلم ـ حتى يبلغ درجة النظر) -
فهذا هو القول الوسط، فلم يجعل التقليد واجبا على كل الناس حتى أهل العلم منهم، كما يقول غلاة المذهبيين - ولم يجعل التقليد حراما على كل الناس كما يقول غلاة اللامذهبيين - بل فصل في الأمر تفصيلا حسنا، مفرقا بين أهل العلم وغيرهم من عامة الناس، مجيزا لمن لم يبلغ درجة النظر والترجيح أن يتبع إماما من الأئمة، وعبر بالاتباع، وهو أولى من التعبير بالتقليد، ولم يحصر الأئمة في الأربعة، فقد يتبع المسلم مذهب صحابي أو تابعي أو غيرهما من الأئمة، ومع هذا ينبغي معرفة أدلة إمامه، وخصوصا عند الشبهة، وأن يتقبل ما يرشده إليه غيره من الأحكام المقرونة بالأدلة المقنعة، إذا صدرت ممن يثق بعلمه ودينه وإن كانت مخالفة لمذهبه -