والزعم بأن وجود النص أو الحديث كاف لإزالة الخلاف وتوحيد الجميع على رأي واحد ـ كما ترى المدرسة الأثرية المعاصرة، التي اسميها (الظاهرية الجدد) ـ زعم غير صحيح، وقد بينت خطأه في مواضع أخر مما كتبت -
ومن ذلك ما ذكرته في كتاب (الصحوة الإسلامية بين الجحود والتطرف) :
"قد عرفنا في عصرنا أناسا يجهدون أنفسهم، ويجهدون الناس معهم، ظانين أنهم قادرون على أن يصبوا الناس في قالب واحد يصنعونه هم لهم، وأن يجتمع الناس على رأي واحد، يمشون فيه وراءهم، وفق ما فهموه من النصوص الشرعية، وبذلك تنقرض المذاهب، ويرتفع الخلاف، ويلتقي الجميع على كلمة سواء -"
ونسي هؤلاء أن فهمهم للنصوص ليس أكثر من رأي يحتمل الخطأ، كما يحتمل الصواب، إذ لم تضمن العصمة لعالم، فيما ذهب إليه، وأن جمع شروط الاجتهاد كلها، كل ما ضمن له هو الأجر على اجتهاده، أصاب أم أخطأ -
ولهذا لم يزد هؤلاء على أن أضافوا إلى المذاهب المدونة مذهبا جديدا!
ومن الغريب أن هؤلاء ينكرون على أتباع المذاهب تقليدهم لأئمتها على حين يطلبون من جماهير الناس أن يقلدوهم ويتبعوهم -
ولا تحسبن أني أنكر عليهم دعوتهم إلى اتباع النصوص، أو اجتهادهم في فهمها، فهذا من حق كل مسلم استوفى شرائط الاجتهاد وأدواته، ولا يملك أحد أن يغلق بابا فتحه رسول الله صلى الله عليه وسلم للأئمة، إنما أنكر عليهم تطاولهم على مناهج علماء الأمة، واحتقارهم للفقه الموروث، ودعاواهم العريضة في أنهم وحدهم على الحق، وما عداهم على خطأ أو ضلال، وتوهمهم أن باستطاعتهم إزالة الخلاف، وجمع الناس قاطبة على قول واحد، هو قولهم!
قال لي واحد من طلبة العلم المخلصين من تلاميذ هذه المدرسة (مدرسة الرأي الواحد) : ولم لا يلتقي الجميع على الرأي الذي معه النص؟