ومثال آخر هو السعي بين الصفا والمروة ؛ فالمسلم يسعى بين الصفا والمروة في الدور الأرضي ، وهناك الآن دور ثان أقيم للسعي . وهكذا نرى أن جو المسعى مسعى أيضاً . وقديماً كان محرّماً على الطائرات أن تطير في جو مكة أو المدينة . حدث ذلك أيام أن كان الطيارون من غير المسلمين ، وذلك حتى لا يطير غير المسلم في الجو المقدس . أما الآن فقد صار مسموحاً للطيارين المسلمين أن يقودوا طائراتهم في أجواء مكة والمدينة المنورة .
فالجو له حكم المكان سواء أكان المكان براً أم بحراً .
{قُلْ مَن يُنَجِّيكُمْ مِّن ظُلُمَاتِ البر والبحر تَدْعُونَهُ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً} إن الدعاء بالفطرة يتجه إلى الله ، والدعاء هو طلب لشيء . والطلب يقتضي طالباً ، ومطلوباً ، ومطلوباً منه . والطالب هو من يدعو . والمطلوب منه هو من ندعوه ونسأله . والمطلوب هو الشيء الذي نتضرع بالدعاء رجاء أن يحدث . والطلب لون من الأمر ، لكن إذا ما جاء الطلب من الأدنى إلى الأعلى فلا تقل إنه أمر ، بل هو دعاء .
وفي اللغة عندما نسأل الطالب أن يقوم بإعراب"رب اغفرلي"، نجد الذي استذكر دروسه دون تفقه يقول:"اغفر فعل أمر"، أما الطالب المتفقه في فهم دينه مع إجادة لدراسته فيقول بأدب الإيمان: اغفر هي فعل دعاء ؛ لأن الطلب إن صدر من الأدنى إلى الأعلى فهو دعاء ، وإن صدر من المساوى للمساوى فهو التماس ، وإن صدر من الأعلى إلى الأدنى فهو أمر .
وحين ننظر إلى الحالة النفسية لمن تحيطه الكوارث والأحداث والنوازل وتضغط عليه الظروف ولا يجد من ينقذه ، هل مثل هذا الإنسان يأمر أو يدعو إنه يدعو بطبيعة الحال ، ويدعو بتذلل وامتثال وخضوع ، وهذا معنى الدعاء ... إنه السؤال بتضرع وخضوع ، والتضرع يقتضي قولاً ، ويقتضي فعلاً ويكون التضرع بالوجدانيات والسلوكيات .