ويتمثل في سلوك رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مع «هؤلاء الأعبد» .. الذين أمره ربهم أن يبدأهم بالسلام وأن يصبر معهم فلا يقوم حتى يقوموا، وهو محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم - وهو بعد ذلك - رسول الله وخير خلق الله، وأعظم من شرفت بهم الحياة!
ثم يتمثل في نظرة «هؤلاء الأعبد» لمكانهم عند الله؛ ونظرتهم لسيوفهم واعتبارها «سيوف الله» ونظرتهم لأبي سفيان «شيخ قريش وسيدهم» بعد أن أخّره في الصف المسلم كونه من الطلقاء الذين أسلموا عام الفتح وذهبوا طلقاء عفو رسول الله صلّى الله عليه وسلّم
وقدّمهم هم في الصف كونهم من السابقين إلى الإسلام، وهو في شدة الابتلاء .. فلما أن عاتبهم أبو بكر رضي الله عنه في أمر أبي سفيان، حذره صاحبه رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أن يكون قد أغضب «هؤلاء الأعبد» ! فيكون قد أغضب الله - يا الله! فما يملك أي تعليق يبلغ هذا المدى وما نملك اليوم إلا أن نتملاه! - ويذهب أبو بكر رضي الله عنه يترضّى «الأعبد» ليرضى الله: «يا إخوتاه أغضبتكم» ؟ فيقولون: «لا يا أخي.
يغفر الله لك»!
أي شيء هائل هذا الذي تحقق في حياة البشرية؟ أية نقلة واسعة هذه التي قد تمت في واقع الناس؟ أي تبديل في القيم والأوضاع، وفي المشاعر والتصورات، في آن؟ والأرض هي الأرض، والبيئة هي البيئة، والناس هم الناس، والاقتصاد هو الاقتصاد .. وكل شيء على ما كان، إلا وحيا نزل من السماء على رجل من البشر، فيه من الله سلطان ..
يخاطب فطرة البشر من وراء الركام، ويحدو للهابطين هنالك عند السفح، فيستجيشهم الحداء - على طول الطريق - إلى القمة السامقة .. فوق .. هنالك عند الإسلام!
ثم تتراجع البشرية عن القمة السامقة؛ وتنحدر مرة أخرى إلى السفح. وتقوم - مرة أخرى - في نيويورك، وواشنطن، وشيكاغو .. وفي جوهانسبرج .. وفي غيرها من أرض «الحضارة!» تلك العصبيات النتنة، عصبيات الجنس واللون، وتقوم هنا وهناك عصبيات «وطنية» و «طبقية» لا تقل نتنا عن تلك العصبيات ..
ويبقى الإسلام هناك على القمة .. حيث ارتسم الخط الوضيء الذي بلغته البشرية ..