وَأَمَّا قَوْلُهُ: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ} فَإِنَّ مَعْنَاهُ: مَا ضَيَّعْنَا إِثْبَاتَ شَيْءٍ مِنْهُ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} ، فَإِنَّ أَهْلَ التَّأْوِيلِ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى حَشْرِهِمُ الَّذِي عَنَاهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذَا الْمَوْضِعِ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: حَشْرُهَا: مَوْتُهَا.
وَقَالَ آخَرُونَ: الْحَشْرُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ يَعْنِي بِهِ الْجَمْعَ لِبَعْثِ السَّاعَةِ وَقِيَامِ الْقِيَامَةِ.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ:"يَحْشُرُ اللَّهُ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، الْبَهَائِمَ، وَالدَّوَابَّ، وَالطَّيْرَ، وَكُلَّ شَيْءٍ، فَيَبْلُغُ مِنْ عَدْلِ اللَّهِ يَوْمَئِذٍ أَنْ يَأْخُذَ لِلْجَمَّاءِ مِنَ الْقَرْنَاءِ، ثُمَّ يَقُولُ: كُونِي تُرَابًا، فَلِذَلِكَ يَقُولُ الْكَافِرُ: {يَا لَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا} "
عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ: انْتَطَحَتْ شَاتَانِ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَقَالَ لِي: «يَا أَبَا ذَرٍّ، أَتَدْرِي فِيمَ انْتَطَحَتَا؟» قُلْتُ: لَا، قَالَ: «لَكِنَّ اللَّهَ يَدْرِي، وَسَيَقْضِي بَيْنَهُمَا»
قَالَ أَبُو ذَرٍّ: لَقَدْ تَرَكَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَمَا يُقَلِّبُ طَائِرٌ جَنَاحَيْهِ فِي السَّمَاءِ إِلَّا ذَكَرَنَا مِنْهُ عِلْمًا""
وَالصَّوَابُ مِنَ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ عِنْدِي أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّ كُلَّ دَابَّةٍ وَطَائِرٍ مَحْشُورٌ إِلَيْهِ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ مَعْنِيًّا بِذَلِكَ حَشْرُ الْقِيَامَةِ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ مَعْنِيًّا بِهِ حَشْرُ الْمَوْتِ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ مَعْنِيًّا بِهِ الْحَشْرَانِ جَمِيعًا. وَلَا دَلَالَةَ فِي ظَاهِرِ التَّنْزِيلِ وَلَا فِي خَبَرٍ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ ذَلِكَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: {ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} ، إِذْ كَانَ الْحَشْرُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ: الْجَمْعُ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {وَالطَّيْرُ مَحْشُورَةٌ كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ}