ثم أكد المعنى المذكور وهو أنه لا يجوز للعاقل أن يرغب في اتخاذ ولي غير الله بقوله {وإن يمسسك الله بضر} من مرض أو فقر أو غير ذلك من البليات {فلا كاشف له إلا هو وإن يمسسك بخير} من غنى أو صحة {فهو على كل شيء قدير} عمم الحكم لندرج تحته كل خير والحاصل أن اندفاع جميع المضار بقدرته ، وكذا حصول جميع الخيرات لأن كل ما عداه فإنما هو تحت قهره وتسخيره وقد حصل بإيجاده وتكوينه ، فإن الممكن لذاته لا يوجد إلا بإيجاد الواجب لذاته ، ورأس المضارّ هو الكفر ، وسنام الخيرات هو الإيمان ، ولن يحصل نفرة الكفر وداعية الإيمان إلا بتوفيقه تعالى . وكل ما يتصور أنه قد نفع أو ضر من الجمادات أو المختارات فإن ذلك ينتهي إلى تخليق الله وجعله ذلك الشيء واسطة لذلك النفع أو الضر ، فلا ضارّ ولا نافع بالحقيقة إلا هو سبحانه . ثم زاد لهذا المعنى بياناً فقال {وهو القاهر فوق عباده} وهو إشارة إلى كمال القدرة {وهو الحكيم الخبير} وإنه إشارة إلى كمال العلم . فالحكمة أعم من العلم لأنها عمل وعلم ، وكونه خبيراً أخص من العلم لأنه العلم ببواطن الأمور وخباياها ، فإذا اجتمعت هذه المعاني حصل العلم بكماله وغايته ، وقد استدل بظاهر الآية من أثبت الفوقية لله تعالى وعورض بوجوه منها: أنه لو كان فوق العالم فإن كان في الصغر بحيث لا يتميز منه جانب من جانب كالجوهر الفرد مثلاً فذلك لا يقوله عاقل ، وإن كان ذاهباً في الأقطار كلها كان متجزئاً . والجواب أنه لم لا يجوز أن يكون نوراً قائماً بذاته غير متناه لا متجزئاً ولا متبعضاً قاهراً لجميع الأنوار غالباً على جميع الأشياء . فلا غاية لجوده ولا نهاية لوجوده . وأما إنه كيف يتصور نور بلا نهاية مع أنه لا ينقسم يتبعض فمجرد استبعاد فلا يصلح حجة وإدراك شيء من هذا النور محتاج إلى النور {ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور} [النور: 40] ومنها أنه لو كان غير متناه من كل الجهات لزم