وكان العلماء قديماً يظنون أن الإبصار هو نتيجة خروج شعاع من العين ليذهب إلى الشيء المرئي ونقض هذه القضية عالم إسلامي هو ابن الهيثم الذي علم العلماء أن الشعاع إنما يخرج من المرئي إلى عين الرائي بدليل أن الشيء المرئي لا يراه الإنسان في الظَّلام . والعمى يمنع العين من استقبال الشعاع ، ولا يختلف أحد في أن العمى مهلك وضار ومتعب ، والإبصار مريح . وكأن الحق يقول للخلق: إياكم أن تظنوا أن حياتكم كلها تعتمد على المحيط المحس ، لا ، إن هناك قيماً إن لم يعرفها الإنسان فهو يتعثر ويضطرب ويتخبط .
إذن فمنهج السماء قد جاء ليهدي النفس البشرية إلى القيم ، كما يهدي النور الحسي الإنسان إلى المحسات . فإذا كان البصر هو وقاية للإنسان لتفادي العقبات ، فكذلك المنهج هو الذي يبين للإنسان ألا يصطدم بالعقبات في الأمور المعنوية . والإنسان يحيا بقيمه ، بدليل أن الأعمى قد يجد من يقوده من المبصرين ، ولكنه قد لا يجد هدايته في هداية مهتد . إذن فالإنسان قد يستغني عن البصر ، ولكنه لا غنى له عن الهدى ؛ لأن الضلال سيصيبه ، والضلال في القيم أبلغ وأشد قسوة من الضلال في الأمور المحسّة .
{قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأعمى والبصير أَفَلاَ تَتَفَكَّرُونَ} هناك تفكر ، وتذكر ، وتدبر . التفكر هو شغل العقل ابتداء بأمر ظاهر ، يريد أن يستنبط منه شيئاً . وعندما يقول إنسان لآخر: فكر في هذا الأمر . . أي أدر عقلك في كل ما يتعرض لهذا الأمر . والذي يطلب من آخر التفكير في هذا الأمر كأنه واثق من أن الذي يتفكر في أمر لن يصل إلا إلى الرأي الذي قاله من عرض عليه التفكير . وأما التذكر فهو أن يصل الإنسان إلى حكم انتهى إليه بالتفكر ثم نسيه ، ويأتي من يلفت الذهن إلى ذلك الحكم الذي انتهى منه فكرياً .