فما يقال له شيء ، فإن له خزانة عند الله يُنْزِلُ منها سبحانه بقَدَر . ونرى ذلك من قمة الوجود ، وهو العقل ، إن العقل شيء ، وله خزائن عند الله ، فما كان موجوداً من أفكار من عشرة قرون لدى البشرية جميعا لا يقاس بكمية الأفكار التي يمتلكها . العقل الجمعي للعالم الآن ، ذلك أن كل جيل قد استفاد مقدمات من أفكار الجيل السابق له ليصل إلى نتاج جديد . إذن فهناك خزائن للأفكار وللخواطر . وكذلك كل شيء في الوجود له عند الله خزائن لا ينزل منها إلا بِقَدَر معلوم: {وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ عِندَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلاَّ بِقَدَرٍ مَّعْلُومٍ} .
وساعة يرى الحق أن يظهر ميلاد سر ما ، فهو سبحانه يهيء الأسباب لذلك . وعلى سبيل المثال - ولله المثل الأعلى - كنا قديما نقطع الأخشاب من الأشجار لنصنع منها وقوداً ، وكنا بعد أن نقطع الأخشاب نخشى عليها من الفساد ، لذلك وضع الحق بعضاً من إلهاماته للعقل البشري حتى يستطيع تحويل الخشب إلى فحم ليضمن الإنسان صيانة الخشب ، وليضمن وجود مصدر للطاقة هو الفحم النباتي . ومن بعد ذلك اكتشف الإنسان الفحم الحجري . ومن بعد ذلك اكتشفنا البترول ، كل ذلك من خيرات الطاقة كان مكنوزاً في الأرض ، ولم يكتشفه الإنسان إلا بعد أن أعطاهم الله الاستعداد لاستقبال هذا الخير ، وسيظل عطاء الله قائماً إلى أن تقوم الساعة . فمع الفحم دخلنا عصر البخار ، ثم دخلنا عصر الكهرباء ، ثم دخلنا عصر الذرة .
وكل هذه الأشياء كان لكل منها ميلاد ، ولكل منها مكان في خزائن الله ، وعندما ينزل الله أي خاطر من الخواطر على عبد من عباده فإن العبد يأخذ بالأسباب ويكتشف ميلاد السر المكنوز . وكل لاحق يأخذ من خير السابق ويبني عليه . وهكذا ينمو الخير دائماً .