لقد خلق فيها سبحانه ما يقيت ابن آدم وتقوم به حياته وإن أراد الترف فلا بد له من الطموح في الحياة . وهو سبحانه جعل في الأرض رواسي - أي جبالاً - وبارك في الأرض وفي الرواسي . ثم جاء بتقدير الأقوات بعد ذكر الرواسي وهي الجبال ، فكأن الجبال في حقيقة أمرها هي مخازن القوت . وقد يقول قائل: كيف ذلك؟
ونقول: إن الواقع قد أثبت هذه الحقيقة ؛ فأنت إن نظرت إلى الأنهار التي تجري ، لوجدتها تتكون من الماء الذي تساقط من الأمطار على الجبال ، فالمياه المكونة من ذرات صغيرة دقيقة تنزل على هذه الجبال لتفتتها ، وكأن المياه هي"المبُرَد"الذي يزيل من سطح الجبال هذه الرمال المليئة بالعناصر الغذائية للأرض ، وهو ما نسميه نحن"الغرين"، والغرين - كما نعلم - هو ما ينزل مع المياه من سطوح الجبال إلى مجرى النهر ، وباندفاع المياه في مجرى النهر تنتقل المادة الخصبة إلى الأرض ، وتتكون تلك الطبقة الخصبة التي تتغذى منها النباتات . ولو شاء الحق سبحانه وتعالى لجعل سطح الأرض كله مستوياً ، وفيه الخصوبة التي تنبت النبات .
لكن حكمته سبحانه شاءت أن تصنع للنبات غذاءه بهذه الطريقة . فأنت إذا ما نظرت إلى النبات وجدته يختلف من نوع إلى نوع في أسلوب امتصاصه للعناصر الغذائية اللازمة له ، فهناك نوع من النبات يمتص غذاءه من عمق نصف المتر ، ونوع ثانٍ يأخذ غذاءه من عمق المتر ، وهكذا . وإن لم نأت للأرض المزورعة بسماد أو مخصبات أو غرين ، فإن الأرض تضعف ؛ لأن الحق يريد لعملية الزراعة أن تستمر وتمتد وتتوالى ، فجعل الجبال مكونة بشكل صُلب ، وتمر على الجبال عوامل التعرية من حرارة وبرودة وتشققات ثم ينزل عليها المطر فيذيب من سطوح الجبال بعضاً من تلك المواد الغذائية اللازمة للأرض ، تنتقل هذه المواد الغذائية عبر المياه إلى الأرض ، وبهذا يتوالى الإمداد بالخصب من الجبال إلى الأرض . وهكذا نجد أن الجبال في حقيقتها هي مخازن لخيرات الله .