وقد تجاوز الكافرون ذلك عندما طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وسلم آيات أخرى ، كتفجير بعض الأرض ينابيع مياه ، أو أن يكون له بيت من زخرف ، ولذلك يوضح له الحق سبحانه أن يبلغهم أنه لا يملك مع الله خزائن السماوات والأرض ، فكيف تطلبون بيوتا وقصورا ، وكيف تطلبون معرفة الغيب حتى تقبلوا على النافع وتتجنبوا الضار؟ . ألا يكفيكم المنهج الإلهي الذي يهديكم إلى صناعة كل نافع لكم ويجنبكم كل أمر ضار بكم؟ ثم إن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يقل لهم إنه يعلم الغيب . وهو بشهادتهم هم يقولون عنه ما جاء بالقرآن الكريم: {وَقَالُواْ مَالِ هذا الرسول يَأْكُلُ الطعام وَيَمْشِي فِي الأسواق لولا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَلَكٌ فَيَكُونَ مَعَهُ نَذِيراً * أَوْ يلقى إِلَيْهِ كَنْزٌ أَوْ تَكُونُ لَهُ جَنَّةٌ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَالَ الظالمون إِن تَتَّبِعُونَ إِلاَّ رَجُلاً مَّسْحُوراً} [الفرقان: 7 - 8] .
لقد سخروا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وطالبوا أن تكون له آيات أخرى ، وتساءلوا كيف يمكن أن يزعم أنه رسول وهو يأكل الطعام كما يأكلون ، ويغشى الأسواق لكسب العيش كما يفعل البشر ، ولو كان رسولاً لكفاه الله مشقة كسب العيش ، ولأنزل إليه مَلكاً يساعده في البلاغ عن الله ، أو يلقي إليه الله من السماء بكنز ينفق منه ، أو تكون له حديقة غناء يأكل من ثمارها .
هذا ما قاله كبار المشركين الذين ظلموا أنفسهم بالكفر ، وأرادوا أن يصدوا الناس عن الإيمان بدعوة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فمرة يتهمونه بأنه مسحور ، ومرة بأنه مجنون ، وثالثة بأنه يهذي ، ورابعة بأنه كذاب ، وخامسة بأنه يتلقى القرآن من أعاجم ، ويدحض الحق كل هذه الأكاذيب وكل تلك الافتراءات التي ضلوا بها وأضلوا بها سواهم .