(كما يعرفون أبناءهم) بيان لتحقق تلك المعرفة وكمالها وعدم وجود شك فيها فإن معرفة الآباء للأبناء هي البالغة إلى غاية الإيقان إجمالاً وتفصيلاً (الذين خسروا أنفسهم) أي أهلكوها وغبنوها وأوبقوها في نار جهنم بأنكارهم نبوة محمد - صلى الله عليه وسلم - وقيل المعنى أن أولئك الذين آتاهم الله الكتاب هم الذين خسروا أنفسهم بسبب ما وقعوا فيه من البعد عن الحق وعدم العمل بالمعرفة التي ثبتت لهم.
ومعنى هذا الخسران كما قاله جمهور المفسرين أن الله جعل لكل إنسان منزلاً في الجنة ومنزلاً في النار، فإذا كان يوم القيامة جعل الله للمؤمنين منازل أهل النار في الجنة ولأهل النار منازل أهل الجنة في النار، ذكره الكرخي (فهم) بعنادهم وتمردهم (لا يؤمنون) بما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال البيضاوي: الفاء للدلالة على أن عدم إيمانهم مسبب عن خسرانهم
فإن إبطال العقل باتباع الحواس والوهم والإنهماك في التقليد وإغفال النظر أدى بهم إلى الإصرار على الكفر والامتناع عن الإيمان.
(ومن) أي لا أحد (أظلم ممن افترى) أي اختلق فجمع بين أمرين لا يجتمعان عند عاقل افتراؤه على الله بما هو باطل غير ثابت وتكذيبه ما هو ثابت بالحجة، هذا ما جرى عليه الكشاف وغيره من جمعه بين الأمرين، أو لأن المعنى لا أحد أظلم ممن ذهب إلى أحد الأمرين فكيف بمن جمع بينهما.
(على الله كذباً) فزعم أن له شريكاً من خلقه وإلهاً يعبدونه كما قال المشركون من عباد الأصنام أو قال إن في التوراة أو الإنجيل ما لم يكن فيهما كما قالت اليهود إن عزيراً ابن الله، وقالت النصارى أن له صاحبة وولداً.
(أو كذب بآياته) التي يلزمه الإيمان بها من المعجزة الواضحة البينة، قال عكرمة: قال النضر بن عبد الدار: إذا كان يوم القيامة شفعت لي اللات والعزى، فأنزل الله هذه الآية (إنه) الضمير للشأن (لا يفلح الظالمون) القائلون على الله الكذب والمفترون عليه الباطل.