ويرى بعض المفسرين أن الضمير «هم» يرجع إلى عشيرة النبي صلى الله عليه وسلم فيكون المعنى: وهم - أي أعمام النبي صلى الله عليه وسلم وعشيرته ينهون الناس عن إيذائه والتعرض له بسوء، ولكنهم في الوقت نفسه ينأون عنه أي يبتعدون عن دعوته فلا يؤمنون بها، ولعل أوضح مثل لذلك أبو طالب، فقد كان يدافع عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا أنه لم يدخل في الإسلام مع تصريحه بأنه هو الدين الحق.
ومما روي عنه في هذا المعنى قوله:
والله لن يصلوا إليك بجمعهم ... حتى أوسد في التراب دفينا
فاصدع بأمرك ما عليك غضاضة ... وابشر بذاك وقر منك عيونا
ودعوتني وزعمت أنك ناصحي ... فلقد صدقت وكنت قبل أمينا
وعرضت دينا قد عرفت بأنه ... من خير أديان البرية دينا
لولا الملامة أو حذار مسبة ... لوجدتني سمحا بذاك يقينا
والذي تطمئن إليه النفس أن الرأي الأول هو الأرجح. لأن الكلام مسوق في بيان موقف المشركين من النبي صلى الله عليه وسلم، وأنهم قد بلغ بهم السفه والعناد أنهم لا يكتفون بالإعراض عن الحق الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم بل تعدى شرهم إلى غيرهم، وأنهم كانوا يحرضون الناس على إيذائه وعلى الابتعاد عنه.
ثم يصور - سبحانه - حالهم عند ما يعرضون على النار، وعند ما يقفون أمام ربهم، وحكى ما يقولونه في تلك المواقف الشديدة فقال تعالى:
[سورة الأنعام (6) : الآية]
(وَلَوْ تَرى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقالُوا يا لَيْتَنا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآياتِ رَبِّنا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ(27)
لَوْ شرطية، حذف جوابها لتذهب النفس في تصوره كل مذهب وذلك أبلغ من ذكره.
ووُقِفُوا بالبناء للمفعول بمعنى: وقفهم غيرهم. يقال: وقف على الأطلال أي: عندها مشرفا عليها، ويقال وقف على الشيء عرفه وتبينه.
والمعنى: إنك أيها النبي الكريم - أو أيها الإنسان العاقل - لو اطلعت على هؤلاء المشركين عند ما يقفون على النار ويشاهدون لهيبها وسعيرها. لرأيت شيئا مروعا مخيفا يجعلهم يتحسرون على ما فرط منهم، ويتمنون أن يعودوا إلى الدنيا ليصدقوا بآيات الله التي طالما كذبوها. وليكونوا من المؤمنين.