فعلى المؤمن الصادق في إيمانه أن لا يطلب شيئًا من أمور الدنيا والآخرة من كشف ضر، وصرف عذاب، أو إيجاد خير، ومنح ثواب إلا من الله تعالى وحده دون غيره من الشفعاء والأولياء الذين لا يملكون لأنفسهم ضرًّا ولا نفعًا. وهذا الطلب من الله؛ إما بالعمل ومراعاة الأسباب التي اقتضتها سنته في الخلق، ودل عليها الشرع وهدى إليها العقل؛ وإما بالتوجه إليه ودعائه كما ندب إلى ذلك كتابه الكريم، وسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - قال تعالى: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} .
18 -وبعد أن أثبت سبحانه وتعالى لنفسه كمال القدرة .. أثبت لها كمال السلطان والتسخير لجميع عباده، والاستعلاء عليهم مع كمال الحكمة والعلم المحيط بخفايا الأمور؛ ليرشدنا إلى أن من اتخذ الأولياء .. فقد ضل ضلالًا بعيدًا فقال: {وَهُوَ} سبحانه وتعالى {الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ} ؛ أي: الغالب لعباده، العالي فوقهم، القاهر لهم وهم مقهورون تحت قدرته، والقاهر والقهار معناه: الذي يدبر خلقه بما يريد، فيقع في ذلك ما يشق عليهم ويثقل ويغم ويحزن ويفقر ويميت ويذل خلقه، فلا يستطيع أحد من خلقه ردَّ تدبيره والخروج من تحت قهره وتقديره، وهذا معنى القاهر في صفة الله تعالى؛ لأنه القادر، والقاهر: الذي لا يعجزه شيء أراده. ومعنى فوق عباده هنا: أن قهره قد استعلى على خلقه، فهم تحت التسخير والتذليل بما علاهم به من الاقتدار والقهر الذي لا يقدر أحد على الخروج منه، ولا ينفك عنه، فكل من قهر شيئًا فهو مستعلٍ عليه بالقهر والغلبة. وقال"الشوكاني": ومعنى: {فَوْقَ عِبَادِهِ} فوقية الاستعلاء بالقهر والغلبة عليهم، لا فوقية المكان، كما تقول: السلطان فوق رعيته؛ أي: بالمنزلة والرفعة، وفي القهر معنى زائد ليس في القدرة وهو: منع غيره عن بلوغ المراد. انتهى.
{وَهُوَ} سبحانه وتعالى {الْحَكِيمُ} في أمره وتدبيره عباده {الْخَبِيرُ} ؛ أي: العالم بأعمالهم وما يصلحهم.