قال ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ -: قل يا مُحَمَّد لكفار أهل مكة: (إِنِّي أَخَافُ) ، أي أعلم (إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي) فعبدت غيره، (عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) .
هذا التأويل صحيح إن كان ما ذكر من سؤالهم رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - وعرضهم المال عليه ليعود ويرجع إلى دينهم، فيخرج هذا على الجواب لهم.
وقَالَ بَعْضُهُمْ: قوله - تعالى -: (إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي) وعلى الخوف، لكن لقائل أن يقول: كيف خاف عذاب يوم عظيم وقد أخبر أنه غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر؟! وكيف قال: (إِنْ عَصَيْتُ) وقد أخبر أنه عصمه وغفر له؟
قيل: يحتمل أن تكون المغفرة له على شرط الخوف غفر له ليخاف عذابه.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ ...(16)
قال بعض المعتزلة: الرحمة هاهنا: الجنة؛ لأن اللَّه - تعالى - جعل في الآخرة دارين؛ إحداهما:
النار، سماها سخطًا.
والأخرى: الجنة، سماها رحمة.
وإنما حملهم على هذا أنهم لا يصفون اللَّه بالرحمة في الأزل، فعلى قولهم يكون قول رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ -:"إلا أن يتغمدني اللَّه برحمته"، أي: يثيبني الجنة.
ولكن سميت الجنة رحمة عندنا لما برحمته يدخلون الجنة، لا بأعمالهم؛ لما روينا عن رسول اللَّه - صَلَّى اللَّهُ عَلَيهِ وَسَلَّمَ - حيث قال:"لا يدخل أحد الجنة بعمله"قيل: ولا أنت يا رسول اللَّه؟ قال:"ولا أنا إلا أن يتغمدني اللَّه برحمته".
وعلى قول المعتزلة فيكون اللَّه بالملائكة رحيمًا لأنه [] ، ولا ثواب، ولكن الوجه فيه ما ذكرنا أنها سميت رحمة لما برحمته يدخل فيها.
وعلى هذا يخرج ما سمي المطر رحمة لما برحمته ينزل، وكذلك كل ما سمي رحمة في الشاهد يخرج على ما ذكرنا، واللَّه أعلم.
ثم قوله: (مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ) .