وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ هُوَ الْوَجْهُ الْأَوْلَى بِالْقِرَاءَةِ، فَتَأْوِيلُ الْكَلَامِ: (مَنْ يَصْرِفْ عَنْهُ) مِنْ خَلْقِهِ {يَوْمَئِذٍ} عَذَابَهُ {فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ} ، وَيَعْنِي بِقَوْلِهِ: {ذَلِكَ} : صَرْفَ اللَّهِ عَنْهُ الْعَذَابَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَرَحْمَتَهُ إِيَّاهُ، {الْفَوْزُ} : أَيِ النَّجَاةُ مِنَ الْهَلَكَةِ وَالظُّفُرِ بِالطِّلْبَةِ، {الْمُبِينُ}
يَعْنِي الَّذِي بَيِّنٌ لِمَنْ رَآهُ أَنَّهُ الظُّفُرُ بِالْحَاجَةِ وَإِدْرَاكُ الطِّلْبَةِ.
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (17) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ لِنَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: يَا مُحَمَّدُ، إِنْ يُصِبْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ، يَقُولُ: بِشِدَّةٍ وَشَظَفٍ فِي عَيْشِكَ وَضِيقٍ فِيهِ، فَلَنْ يَكْشِفَ ذَلِكَ عَنْكَ إِلَّا اللَّهُ الَّذِي أَمَرَكَ أَنْ تَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ لِأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ، وَأَذْعَنَ لَهُ مِنْ أَهْلِ زَمَانِكَ، دُونَ مَا يَدْعُوكَ الْعَادِلُونَ بِهِ إِلَى عِبَادَتِهِ مِنَ الْأَوْثَانِ وَالْأَصْنَامِ، وَدُونَ كُلِّ شَيْءٍ سِوَاهَا مِنْ خَلْقِهِ.
{وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ}
يَقُولُ: وَإِنْ يُصِبْكَ بِخَيْرٍ: أَيْ بِرَخَاءٍ فِي عَيْشٍ وَسَعَةٍ فِي الرِّزْقِ وَكَثْرَةٍ فِي الْمَالِ، فَتُقِرُّ أَنَّهُ أَصَابَكَ بِذَلِكَ
{فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: وَاللَّهُ الَّذِي أَصَابَكَ بِذَلِكَ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، هُوَ الْقَادِرُ عَلَى نَفْعِكَ وَضَرِّكَ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ يُرِيدُهُ قَادِرٌ، لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ يُرِيدُهُ وَلَا يَمْتَنِعُ مِنْهُ شَيْءٌ طَلَبَهُ، لَيْسَ كالْآلِهَةِ الذَّلِيلَةِ الْمَهِينَةِ الَّتِي لَا تَقْدِرُ عَلَى اجْتِلَابِ نَفْعٍ عَلَى أَنْفُسِهَا وَلَا غَيْرِهَا، وَلَا دَفْعِ ضُرٍّ عَنْهَا وَلَا غَيْرِهَا، يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: فَكَيْفَ تَعْبُدُ مَنْ كَانَ هَكَذَا؟ أَمْ كَيْفَ لَا تُخْلِصُ الْعِبَادَةَ، وَتُقِرُّ لِمَنْ كَانَ بِيَدِهِ الضُّرُّ وَالنَّفْعُ وَالثَّوَابُ وَالْعِقَابُ وَلَهُ الْقُدْرَةُ الْكَامِلَةُ وَالْعِزَّةُ الظَّاهِرَةُ؟
الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (18) }