عنه ، من غير إنكار وتبديع ، وذلك مما يعلم استحالته قطعا ، إذ النفوس لا تسمح
بالسكوت فِي مثله.
ولو كتب الآن كاتب فِي القرآن ، أو فِي أوّل السور: أعوذ بالله من الشيطان
الرجيم احتجاجا بقول الله تعالى(فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان
الرجيم)سورة النحل 99] فهل يتصور أن يسكت الناس عنه ، أو يوافقوه عليه.
هذا ، والزمان زمان إهمال وتساهل فِي مهمات الدين ، والوقت وقت فتور
وضعف ، فكيف يظن ذلك بالصحابة مع تصلبهم فِي الدين وشدتهم ، وكيف سكتوا
عن إبداع زيادة بخط القرآن شديدة الضرر ، لكونها موهمة أنها من القرآن ، خالية
عن المنفعة ، وإفادة نوع من البيان ، وأسامي السور لا ضرر فِي إثباتها ، إذ لا توهم
كونها من القرآن ، وفيها فائدة التمييز والتعريف ، فينكر التابعون ذلك ، مع كونهم
دون الصحابة فِي الصلابة فِي الدين ، ثم تسكت الصحابة عن إنكارما فيه ضرر
الاشتباه ، وليس فيه فائدة البيان . هذا من المحال الذي لا ينشرح الوهم لقبوله أصلا.
ثم كيف يظن بمسلم أن يستجيز ذلك من غير فائدة ، وسبب باعث ؟.
فإن قيل: لعل الباعث قوله صلى الله عليه وسلّم:"كل أمر ذي بال لم يبدأ"
فيه ببسم الله فهو أبتر"وإرادةُ الفصل بين السور."
قلنا: فهلا كتب أعوذ بالله من الشيطان الرجيم فِي أول القرآن لقوله تعالى (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم) وهذا للقرآن خاصة ، وذلك أمر
عام لا يختص بالقرآن ؟.
فإن قلت: إنما أمر بالاستعاذة عند القراءة ، لا عند الكتبة.
فنقول: وإنما أمر فِي بداءة الأمور بذكر اسم الله تعالى ، لا بكتبه.
ثم من أين تقاوم هذه الفائدة ضرر الاشتباه ، وجراءة الزيادة فِي كتاب الله تعالى
، وإثبات ما ليس منه فيه.
وأما غرض الفصل فظاهر البطلان ، إذ كان يمكن بإهمال خط كما فِي سورة
براءة ، أو بأن يكتب بالحمرة"سورة أخرى"وعدد آياتها كذلك حتى لا يلتبس ،