قال ابن عباس: مِنْ حقيقة الإيمان. ومعنى العَزم: تَوْطِينُ النفس على الأمر. ومعنى {مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} ؛ أي: ذلك مِمَّا يُعْزَم عليه مِنَ الأمْرِ؛ لظُهُورِ رُشدِهِ، وموضع الحظِّ فيه، فيجب التَّمَسُّكُ به.
ومعنى قول ابن عباس: (مِنْ حقيقة الإيمان) ؛ أي: مِمَّا عَزَمْتم عليه مِنَ الأمر، وهو الإيمانُ والتصديق لِوَعْدِ الله بالنُّصْرِةِ.
187 -قوله تعالى: {وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} الآية.
قال ابن عباس، والسدّي، والكلبي، والمفسِّرون: نَزَلت في يهود المدينة، أخَذَ اللهُ ميثاقهم في التوراة، لَيُبَيِّنُنَّ شأن محمد - صلى الله عليه وسلم - ، ونَعْتِهِ، وَمَبْعَثِهِ، ولا يُخْفُونَه، فَنَبَذوا الميثاقَ، ولم يَعْمَلُوا به.
قوله تعالى: {لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ} يُقرأ بالياء والتاء. فَمَن قرأ بالياء؛ فلأنهم غَيْبٌ. ومن قرأ بالتاء؛ حَكَى المخاطبةَ التي كانت في وقت أخذ الميثاق.
ومثل هذه الآية: قوله: {وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ} [البقرة: 83] ، بالياء والتاء. وقد تقدم القول في ذلك.
وقوله تعالى: {وَلَا تَكْتُمُونَهُ} ولم يقل: ولا تكتُمُنَّهُ؛ كما قال: {لَتُبَيِّنُنَّهُ} ؛ لأنه في معنى الحال، لا في معنى الاستقبال المعطوفِ على ما قبله.
كأن المعنى: لَتُبَيِّنُنَّه للناس غيرَ كاتِمِينَ. و (الهاء) في {لَتُبَيِّنُنَّهُ} ، يعود على محمد - صلى الله عليه وسلم - ، في قول أكثر المفسرين. فهو عائدٌ على معلوم، ليس بمذكور.
وفي قول الحسن، وقَتَادة: يعود على الكتاب، في قوله: {الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} ، ويدخُلُ فيه بَيانُ أمرِ النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ لأنه في الكتاب.