التُّسْتَرِيِّ، وَأَبِي طَالِبٍ الْمَكِّيِّ، والْجُنَيْدِ بْنِ مُحَمَّدٍ، وَأَبِي عُثْمَانَ النَّيْسَابُورِيِّ، وَيَحْيَى بْنِ مُعَاذٍ الرَّازِيِّ وَأَرْفَعِ مِنْ هَؤُلَاءِ طَبَقَةً، مِثْلَ أَبِي سُلَيْمَانَ الدَّارَانِيِّ، وَعَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الَّذِي كَانَ يُقَالُ لَهُ حَكِيمُ الْأُمَّةِ وأَضْرَابِهِمَا، فَإِنَّهُمْ تَكَلَّمُوا عَلَى أَعْمَالِ الْقُلُوبِ، وَعَلَى الْأَحْوَالِ كَلَامًا مُفَصَّلًا جَامِعًا مُبَيِّنًا مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَرْتِيبٍ، وَلَا حَصْرٍ لِلْمَقَامَاتِ بِعَدَدٍ مَعْلُومٍ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا أَجَلَّ مَنْ هَذَا، وَهَمُّهُمْ أَعْلَى وَأَشْرَفُ، إِنَّمَا هُمْ حَائِمُونَ عَلَى اقْتِبَاسِ الْحِكْمَةِ وَالْمَعْرِفَةِ، وَطَهَارَةِ الْقُلُوبِ، وَزَكَاةِ النُّفُوسِ، وَتَصْحِيحِ الْمُعَامَلَةِ، وَلِهَذَا كَلَامُهُمْ قَلِيلٌ فِيهِ الْبَرَكَةُ، وَكَلَامُ الْمُتَأَخِّرِينَ كَثِيرٌ طَوِيلٌ قَلِيلُ الْبِرْكَةِ.
وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ مُخَاطَبَةِ أَهْلِ الزَّمَانِ بِاصْطِلَاحِهِمْ، إِذْ لَا قُوَّةَ لَهُمْ لِلتَّشْمِيرِ إِلَى تَلَقِّي السُّلُوكِ عَنِ السَّلَفِ الْأَوَّلِ وَكَلِمَاتِهِمْ وَهَدْيِهِمْ، وَلَوْ بَرَزَ لَهُمْ هَدْيُهُمْ وَحَالُهُمْ لَأَنْكَرُوهُ، وَلَعَدُّوهُ سُلُوكًا عَامِّيًّا، وَلِلْخَاصَّةِ سُلُوكٌ آخَرُ، كَمَا يَقُولُ ضُلَّالُ الْمُتَكَلِّمِينَ وَجَهَلَتُهُمْ: إِنَّ الْقَوْمَ كَانُوا أَسْلَمَ، وَإِنَّ طَرِيقَنَا أَعْلَمُ، وَكَمَا يَقُولُ مَنْ لَمْ يُقَدِّرْ قَدْرَهُمْ مِنَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَى الْفِقْهِ: إِنَّهُمْ لَمْ يَتَفَرَّغُوا لِاسْتِنْبَاطِهِ، وَضَبْطِ قَوَاعِدِهِ وَأَحْكَامِهِ، اِشْتِغَالًا مِنْهُمْ بِغَيْرِهِ، وَالْمُتَأَخِّرُونَ تَفَرَّغُوا لِذَلِكَ، فَهُمْ أَفْقَهُ.