وأما الثاني: فطريقه التقوى , والعمل الصالح , كما قال الله تعالى:"واتقوا الله ويعلمكم الله"وهذا العلم يسمى العلم اللدني:"وآتيناه من لدنا علما"- الكهف 65 - , وهو العلم النافع الذي يهبه الله تعالى لمن يشاء من عباده المتقين , وإليه أشار الإمام الشافعي بقوله:
شكوت إلى وكيع سوء حفظي ... فأرشدني إلى ترك المعاصي
وأخبرني أن العلم نور ... ونور الله لا يهدى لعاص
لكن الزركشي - رحمه الله - خالف هذا , فقال[وأما قول الله تعالى"واتقوا الله ويعلمكم الله"فظن بعض الناس أن التقوى سبب التعليم , والمحققون على منع ذلك؛ لأنه لم يربط الفعل الثاني بالأول ربط الجزاء بالشرط , فلم يقل"واتقوا الله يعلمكم الله"ولا قال"فيعلمكم الله"وإنما أتى بواو العطف , وليس فيه ما يقتضي أن الأول سبب للثاني , وإنما غايته الاقتران والتلازم , كما يقال: زرني وأزورك , وسلم علينا ونسلم عليك ... ونحوه مما يقتضي اقتران الفعلين , والتقارض من الطرفين , كما لو قال عبد لسيده: اعتقني ولك عليّ ألف , أو قالت امرأة لزوجها: طلقني ولك ألف , فإن ذلك بمنزلة قولها: بألف , أو على ألف.
وحينئذ يكون متى علّم الله العلم النافع اقترنت به التقوى بحسب ذلك , ونظير الآية قوله:
(فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ) (هود:123) .
ولا أظن أن هناك خلافاً على العلم اللدني , لقوله تعالى: (فَوَجَدَا عَبْداً مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْماً) (الكهف:65) .
فالعلم الوهبي علم يورثه الله تعالى لمن عمل بما علم , وإليه الإشارة فِي الأثر:"من علم بما علم ورثّه الله علم ما لم يعلم] (178) "
هذا .... وإن كان العلم الوهبي لا يختلف عليه أحد إلا أن سياق الآية فِي شأن تعليم المسلمين الضوابط الحافظة للديون , ولا علاقة لها بالعلم اللدني.