وكان الحق يطمئنهم ، فالذين صدوكم فِي ذي القعدة من ذلك العام ستقاتلونهم وستدخلون فِي ذي القعدة من العام القادم. وخاف المسلمون إن جاءوا فِي العام المقبل أن تنقض قريش العهد وتقاتلهم ، ونزل قول الحق:
وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ (190)
وعندما نتأمل قوله تعالى:"وقاتلوا فِي سبيل الله"فإننا نجد أن الحق سبحانه يؤكد على كلمة"فِي سبيل الله"لأنه يريد أن يضع حداً لجبروت البشر ، ولابد أن تكون نية القتال فِي سبيل الله لا أن يكون القتال بنية الاستعلاء والجبروت والطغيان فلا قتال من أجل الجاه ، أو المال أو لضمان سوق اقتصادي ، وإنما القتال لإعلاء كلمة الله ، ونصرة دين الله ، هذا هو غرض القتال فِي الإسلام."وقاتلوا فِي سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين"والحق ينهي عن الاعتداء ، أي لا يقاتل مسلم من لم يقاتله ولا يعتدي. وهب أن قريشا هي التي قاتلت ، ولكن أناساً كالنساء والصبيان والعجزة لم يقاتلوا المسلمين مع أنهم فِي جانب من قاتل ، لذلك لا يجوز قتالهم ، نعم على قدر الفعل يكون رد الفعل. فماذا ؟ لأن فِي قتال النساء والعجزة اعتداء ، وهو سبحانه لا يحب المعتدين. لكن قتال المؤمنين إنما يكون لرد العدوان ، ولا بداية عدوان.
ويقول الحق من بعد ذلك:
وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلاَ تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ (191) .