والآيات فصل جديد بأسلوب تشريعي كسابقة، ولم يرو المفسرون فيما اطلعنا عليه مناسبة لنزولها وتلهم أنه لم يكن للآباء ولبعض طبقات الأقارب أنصبة معينة ومقررة في التركات وكان هؤلاء وأولئك عرضة للعوز والحرمان فاقتضت الحكمة تنزيل الآيات في مناسبة من المناسبات المتصلة بذلك والمتبادر أنها نزلت قبل نزول آيات المواريث الواردة في سورة النساء لأن هذه الآيات عينت للآباء والأخوة والبنات أنصبة معينة في التركات وفي هذا كما هو المتبادر صورة تطورية للتنزيل القرآني.
ومن المحتمل أن يكون هذا الفصل قد نزل بعد فصل القصاص فوضع بعده، كما أن من المحتمل أن يكون وضعه بعده بسبب المماثلة التشريعية.
تعليق على آيات الوصية
ولقد اختلفت أقوال المفسرين ومن رووا أقواله من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وسلّم وتابعيهم في مسألة نسخ هذه الآيات. فهناك من قال إن آيات المواريث الواردة في سورة النساء والحديث النبوي المشهور الذي جاء فيه: «إن الله أعطى
كلّ ذي حقّ حقّه وإنّه لا وصيّة لوارث» قد نسختها. ومنهم من قال إنها لم تنسخ وإن حكمها قائم. ومنهم من قال إن آيات المواريث والحديث النبوي قد نسخ الوصية للوارثين فقط دون غيرهم من الأقارب. والقول الأخير هو الأوجه كما هو المتبادر. ومن القرائن على استمرار حكم الوصية بعد نزول آيات المواريث في سورة النساء أن هذه الآيات كررت التنبيه على وجوب تنفيذ وصية الميت وأداء ما عليه من دين قبل توزيع التركة. وهناك كثير من طبقات الأقارب قد لا ينالهم من الإرث نصيب مثل الأخوة في حال وجود الأبناء الذكور والآباء ومثل الأحفاد حينما يكون لهم أعمام ومثل الأعمام والعمات والأخوال والخالات في حال وجود ورثة أقرب كالآباء والأبناء الذكور إلخ إلخ ... حيث تكون الوصية لهؤلاء حلّا لمشكلتهم وسدا لعوزهم لأنهم محجوبون عن الإرث وفي هذا ما فيه من حقّ وروعة وجلال.
والآية الأولى قوية التعبير حتى جعلت الوصية فرضا وحقا على من يتقي الله تعالى ولعل هذا من مفردات التشريع الإسلامي وخصوصياته.