وإنما يظهرُ هذا السماعُ ، على هذا الوجهِ ، حيث جرّد كثير من أهلِ
السلوكِ الكلامَ في المحبةِ ولهجِوا بها ، وأعرضُوا عن الخشيةِ.
وقد كانَ السلفُ الصالحُ يُحذِّرون منهمُ ، ويفسِّقون من جرَّدَ ، وأعرضَ عن الخشيةِ إلى الزندقةِ.
فإنَّ أكثرَ ما جَاءتْ به الرّسُلُ ، وذكرَ في الكتابِ والسنةِ: هو خشيةُ
اللَّهِ وإجلالِهِ وتعظيمِهِ ، وتعظيم حرماتِهِ وشعائِرهِ ، وطاعتِهِ.
والأغاني لا تحرّكُ شيئا من ذلكَ ، بلْ تُحدِثُ ضدَّهُ من الرعُونَةِ والانبساطِ
والشطح ، ودعوى الوصُولِ والقُربِ ، أو دعوى الاختصاصِ بولايةِ اللَّهِ التي
نسب اللَّهُ في كتابه دعواها إلى اليهودِ.
فأمَّا أهلُ الإيمانِ ، فقد وصفهُم بأنَّهم
(يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وًّ قلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ) ، وفسَّر ذلكَ النبي - صلى الله عليه وسلم - بأنَّهم:"يصومونَ ويتصدقونَ ، ويصلُّون ويخشونَ أن لا يُتقبلَ منْهُم".
وقد كانَ الصحابةُ - رضي الله عنهم - يخافونَ النفاقَ على نفوسِهم ، حتَى قالَ الحسنُ: ما أمِنَ النفاقَ إلا منافقٌ ، ولا خشِيَهُ إلا مؤمنٌ.
ويوجبُ أيضًا سماعُ الملاهي: النفرةَ عن سماع القرآنِ ، كما أشارَ إليه
الشافعيُّ رحمه اللَّه.
وعدمَ حضورِ القلبِ عند سماعِهِ ، وقلّةَ الانتفاع بسماعِهِ.
ويوجبُ أيضًا قلّةَ التعظيم لحرماتِ اللَّهِ ، فلا يكادُ المدمِنُ لسماع
الملاهِي ، يشتدُّ غضبُهُ لمحارمِ اللَّهِ تعالَى إذا انتُهكَتْ ، كما وصفَ اللَّهُ تعالى
المحبّينَ لهُ بأنَّهم (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ) .
ومفاسدُ الغناءِ كثيرةٌ جدًّا.
وفي الجملةِ فسماعُ القرآنِ ينبتُ الإيمانَ في القلبِ ، كما ينبِتُ الماءُ البقلَ.
وسماعُ الغناءِ ينبتُ النفاقَ ، كما ينبتُ الماءُ البقلَ.