في التعبير بالمضارع دلالة على ما أودع في الخافقين من القوى فصارا بحيث يتجدد منهما ذلك بخلقه تجدّد مستمرّاً إلى حين خرابهما {وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَآءِ} من الوحي والأمطار والحرّ والبرد وغيرها من الأعيان والمنافع التي يوجدها سبحانه وتعالى من مقادير أعمار بني آدم وأرزاقهم وغيرها من جميع شؤونهم {وَمَا يَعْرُجُ} أي: يصعد ويرتقي ويغيب {فِيهَآ} كالأبخرة والأنوار والكواكب والأعمال وغيرها ولم يجمع السماء لأنّ المقصود حاصل بالواحدة مع إفهام التعبير بها الجنس الشامل للكل {وَهُوَ مَعَكُمْ} بالعلم والقدرة أيها الخلق {أَيْنَ مَا كُنتُمْ} لا ينفك علمه وقدرته عنكم بحال فهو عالم بجميع أموركم وقادر عليكم تعالى الله عن اتصال بالعالم ومماسة أو انفصال عنه بغيبة أو مسافة.
{يَومَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ}
أي: الذين صار الإيمان لهم صفة راسخة {يَسْعَى نُورُهُم} أي: ما يوجب نجاتهم وهدايتهم إلى الجنة {بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِم} لأن السعداء يؤتون صحائف أعمالهم من هاتين الجهتين، كما أنَّ الأشقياء يؤتونها من شمائلهم ووراء ظهورهم فيجعل النور في الجهتين شعار لهم وآية لأنهم هم الذين بحسناتهم سعدوا وبصحائفهم البيض أفلحوا، فإذا ذهب بهم إلى الجنة ومرّوا على الصراط يسعون يسعى معهم ذلك النور حبيباً لهم ومتقدّماً، والأوّل: نور الإيمان والمعرفة والأعمال المقبولة، والثاني: نور الإنفاق لأنه بالإيمان نبه عليه الرازي وقال قتادة: ذكر لنا أنَّ نبيّ الله صلى الله عليه وسلم «قال من المؤمنين من يضيء نوره من المدينة إلى عدن ودون ذلك حتى أنَّ من المؤمنين من لا يضيء نوره إلا موضع قدميه» .