وقال الشعبي في قوله تعالى: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً قال: هو صلح الحديبية، لقد أصاب فيها ما لم يصب في غزوة، غفر اللَّه له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وبويع بيعة الرضوان، وأطعموا نخل خيبر، وبلغ الهدي محلّه، وظهرت الروم على فارس، ففرح المؤمنون بظهور أهل الكتاب على المجوس. وقد سبق كلام الزهري. والخلاصة: تحقق في هذا الصلح أمور ثلاثة: هي معرفة قوة العدو ومدى كفايته في السلم والسياسة والصلح، وتمييز المؤمنين من المنافقين، واختلاط المسلمين بالمشركين الذي أدى إلى الدخول في الإسلام.
وقيل: إنه فتح مكة، وهو مناسب لآخر السورة التي قبلها، حيث حث تعالى على الجهاد بالنفس وبالمال والإنفاق في سبيل اللَّه، ونهى عن طلب الصلح، فقال: لا تسألوا الصلح من عندكم، بل اصبروا، فإنهم يسألون الصلح ويجتهدون فيه، كما كان يوم الحديبية.
2 -كانت ثمار الفتح الأعظم أربعة أمور هي:
الأول- البراءة المطلقة للنبي صلّى اللَّه عليه وسلّم بمغفرة جميع ذنوبه المتقدمة والمتأخرة التي تعد بمثابة خلاف الأولى والأفضل بالنظر لمقامه الشريف.
الثاني- إتمام النعمة عليه بالجمع بين النبوة والملك، وبين سعادة الدنيا والآخرة.
الثالث- الإرشاد والهداية إلى الطريق المستقيم بتبليغ الرسالة والثبات على الحق.
الرابع- النصر المؤزر العزيز المنيع الذي لا ذل بعده.
ويمكن القول بالتعبير الحديث: تحقق بهذا الفتح مفهوم سيادة الدولة الإسلامية الداخلية والخارجية، واستقلالها، وظهور النبي صلّى اللَّه عليه وسلّم بصفة كونه حاكما وإماما في السياسة والحكم إلى جانب كونه نبيا، كما تحقق له عز الدنيا والآخرة، وثباته على دين الحق ونشره في أرجاء الدنيا.
وعقد صلح الحديبية، كما أنه أثبت صفة الحاكم السياسي للنبي صلّى اللَّه عليه وسلّم على الأمة الإسلامية وعاصمتها المدينة، أدى إلى اعتراف المشركين بالدولة الإسلامية في المدينة المنورة، والإقرار بسيادتها واستقلالها.
آثار صلح الحديبية في المؤمنين والمنافقين والمشركين
[سورة الفتح (48) : الآيات 4 إلى 7]