وأما قوله تعالى: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ} [سورة آل عمران: 26] ، فإنه على حَدِّ قوله تعالى: {سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ} [سورة النحل: 81] ؛ أي: والبرد.
والتقدير: بيدك الخير والشر، حذف ذكر الشر للعلم به وتعليماً لنا كيف نتأدب في خطاب الله تعالى، ولا سبيل إلى غير ذلك لأنه يقول بعد ذلك: {إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [سورة آل عمران: 26] ، والشيء شامل للخير والشر.
وقد قال أولاً: {وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ} [سورة آل عمران: 26] ، والإذلال كله أو بعضه من الشر الذي هو بيده سبحانه وتعالى.
وأما قوله تعالى حكايةً عن الجن: {وَأَنَّا لَا نَدْرِي أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا} [سورة الجن: 10] فإنما حذف الفاعل في قوله:
{أَشَرٌّ أُرِيدَ بِمَنْ فِي الْأَرْضِ} ، والمُريد هو الله تعالى تأدباً مع الله تعالى، وأظهره في قوله: {أَمْ أَرَادَ بِهِمْ رَبُّهُمْ رَشَدًا} مذكوراً باسم الرب مضافاً إليهم مبالغة في الثناء عليه، وإشارةً إلى أن إرادة الرشد بهم من تمام ربه إياهم وكمال تربيته لهم ورحمته عليهم، وقد جاء إسناد إرادة الشر إلى الله تعالى إيثاراً للبيان ومبالغة في العِظَة.
وما رواه الترمذي، والحاكم وصححه، عن أنس، والطبراني، والحاكم وصححه، والبيهقي في"الشعب"عن عبد الله بن مغفل، والطبراني في"الكبير"عن عمار بن ياسر، وابن عدي في"الكامل"عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنهم قالوا: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدٍ خَيرًا عَجَّلَ لَهُ الْعُقُوْبَةَ فيْ الدُّنْيَا، وإِذَا أَرَادَ اللهُ بِعَبْدِهِ شَرًّا أَمْسَكَ عَنْهُ بِذَنْبِهِ حَتَّى يُوَافِيَهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ".
ورواه أبو نصر السجزي في"الإبانة"عن حبان بن أبي جَبَلة رضي الله تعالى عنه، والديلمي عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما: أنَّ