{ولكن أكثر الناس لا يعلمون} : أي لا يتأملون لغلبة الغفلة عليهم ، ونفي العلم عن الأكثر وتخصيصه به يدل على أن القليل يعلم ، ولذلك ضرب مثلاً للجاهل بالأعمى ، وللعالم بالبصير ، وانتفاء الاستواء بينهما هو من الجهة الدالة على العمى وعلى البصر ، وإلا فهما مستويان في غير ما شيء.
ولما بعد ، قسم الذين آمنوا بطول صلة الموصول ، كرر لا توكيداً ، وقدم {والذين آمنوا} المجاورة قوله: {والبصير} ، وهما طريقان ، أحدهما: أن يجاور المناسب هكذا ، والآخر: أن يتقدم ما يقابل الأول ويؤخر ما يقابل الآخر ، كقوله تعالى: {وما يستوي الأعمى والبصير ، ولا الظلمات ولا النور ولا الظل ولا الحرور} وقد يتأخر المتماثلان ، كقوله تعالى: {مثل الفريقين كالأعمى والأصم والبصير والسميع} وكل ذلك تفنن في البلاغة وأساليب الكلام.
ولما كان قد تقدم: {ولكن أكثر النار لا يعلمون} ، فكان ذلك صفة ذم ناسب أن يبدأ في ذكر التساوي بصفة الذم ، فبدأ بالأعمى.
وقرأ قتادة ، وطلحة ، وأبو عبد الرحمن ، وعيسى ، والكوفيون: تتذكرون بتاء الخطاب ؛ والجمهور ، والأعرج ، والحسن ، وأبو جعفر ، وشيبة: بالياء على الغيبة.
ثم أخبر بما يدل على البعث من إتيان الساعة ، وأنه لا ريب في وقوعها ، وهو يوم القيامة ، حيث الحساب وافتراق الجمع إلى الجنة طائعهم ، وإلى النار كافرهم ومن أراد الله تعذيبه من العصاة بغير الكفر.
والظاهر حمل الدعاء والاستجابة على ظاهرهما ، إلا أن الاستجابة مقيدة بمشيئة الله.
قال السدي: اسألوني أعطكم ؛ وقال الضحاك: أطيعوني آتكم ؛ وقالت فرقة منهم مجاهد: ادعوني ، اعبدوني وأستجب لكم ، آتيكم على العبادة.
وكثيراً جاء الدعاء في القرآن بمعنى العبادة ، ويقوي هذا التأويل قوله: {إن الذين يستكبرون عن عبادتي} .
وما روى النعمان بن بشير ، أن رسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال:"الدعاء هو العبادة"، وقرأ هذه الآية.