إذن: حين نعطي الأب ثواب الدعاء الصالح من الابن إنما نعطيه حقه وثمرة عمله وسَعْيه في هذا الابن، والأب إذا كان صالحاً تحرَّى انْ ينفق على ولده من حِلٍّ، وحين يتحرى ذلك ربما يضيق عليه في النفقة، لأن بعض الأغنياء الذين لا يتحرَّوْن الحلال في الكسبْ ينفقون على أولادهم ببذخ وإسراف في الملبس والمأكل والسيارات الفارهة .. إلخ لأنهم جمعوا هذه الأموال من مهاوش.
والرجل الصالح ينأى بنفسه وأولاده عن الحرام، لذلك ربما يشقى الصالح بالصلاح في الدنيا ويصبر على هذا الشقاء وهذا الحرمان، وهذا كله من عمله.
لذلك كانوا كثيراً ما يناقشوننا في قوله تعالى:
{وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى} [النجم: 39] .
يقصدون كيف ينتفع الإنسان بعمل غيره؟ وقلنا لبيان ذلك مثلاً: إننا نُؤْمر بالصلاة على الميت، هذه الصلاة تفيده أم لا؟ إنْ كانت لا تفيده فهي إذن عبث، وإنْ كانت تفيده فهل استفاد بعمل غيره؟
نعم يستفيد الميت بدعاء الحي له في صلاة الجنازة، لكن هذا الدعاء في حَدِّ ذاته يُعتبر من عمل الميت، لأن ثمرة إيمانه بالله، ولولا أنه مؤمن ما صلَّينا عليه، فأنت حين تصلي صلاة الجنازة لا تصلي على مطلق ميت، إنما على ميت آمن بربه عز وجل، والإيمان من عمله، وبالتالي صلاتك عليه أيضاً من عمله.
أو نقول في قوله تعالى:
{وَأَن لَّيْسَ لِلإِنسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى} [النجم: 39] أي: ليس للإنسان حَقٌّ، فهي منعت العدل ولم تمنع الفضل من الله، وفَرْق بين العدل والفضل، فالعامل عندك مثلاً أجره خمسون وهذا الاتفاق بينكما لا يمنع أن تعطيه سبعين مثلاً.
ثم تُذيل الآية بقوله تعالى: {إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [غافر: 8] ولم يَقُلْ مثلاً: إنك أنت الغفور الرحيم لتناسب الدعاء المذكور في الآية.
وهذه مثل قوله تعالى في قصة سيدنا عيسى عليه السلام:
{أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِن دُونِ اللَّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ} [المائدة: 116] ثم يقول:
{إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [المائدة: 118] .