والله أعلم بطاقة البشر واحتمالهم، فيشرع لهم في حدود طاقتهم، ويكشف لهم من الغيب ما تدركه طبيعتهم.
وقد نهى الله المؤمنين عن أن يسألوا أشياء يسوؤهم الكشف عنها فقال سبحانه: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (101) } [المائدة: 101] .
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم: «ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ، فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلافِهِمْ عَلَى أنْبِيَائِهِمْ» متفق عليه.
فالمعرفة في الإسلام تطلب لمواجهة حاجة واقعية في حياة البشرية، والأحكام الشرعية تطلب ويسأل عنها عند وقوع الأقضية التي تتطلب هذه الأحكام.
وفي طوال العهد المكي لم ينزل حكم شرعي تنفيذي، وإنما تنزلت الأوامر والنواهي عن أشياء وأعمال، ولكن الأحكام العملية كالعبادات والمعاملات لم تنزل إلا بعد أن امتلأت القلوب بالإيمان، وجاء عند المسلمين الاستعداد لقبولها والعمل بها بعد الهجرة إلى المدينة.
وكذلك الأحكام التنفيذية كالحدود والتعازير والكفارات لم تنزل إلا بعد قيام الخلافة في الأرض، التي تتولى تنفيذ هذه الأحكام بعد الهجرة إلى المدينة.
وجميع الأنبياء والرسل قدموا الشكوى إلى الله وحده، فنوح توجه إلى ربه يشكو إليه قومه: {فَدَعَا رَبَّهُ أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ (10) فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ (11) وَفَجَّرْنَا الْأَرْضَ عُيُونًا فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (12) وَحَمَلْنَاهُ عَلَى ذَاتِ أَلْوَاحٍ وَدُسُرٍ (13) } [القمر: 10 - 13] .
فأنجاه الله ومن آمن معه، وأغرق من كفر به.
وقال يعقوب - صلى الله عليه وسلم: {إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (86) } [يوسف: 86] .