قال النحاس: ومعنى النصب خلاف معنى الرفع ، لأن معنى النصب: متى بلغت الأسباب اطلعت ، ومعنى الرفع: لعلي أبلغ الأسباب ، ولعلي أطلع بعد ذلك ، وفي هذا دليل على أن فرعون كان بمكان من الجهل عظيم ، وبمنزلة من فهم حقائق الأشياء سافلة جدًّا {وَإِنّى لأَظُنُّهُ كاذبا} أي: وإني لأظنّ موسى كاذباً في ادعائه بأن له إلاهاً ، أو فيما يدّعيه من الرسالة {وكذلك زُيّنَ لِفِرْعَوْنَ سُوء عَمَلِهِ} أي: ومثل ذلك التزيين زين الشيطان لفرعون سوء عمله من الشرك ، والتكذيب فتمادى في الغيّ ، واستمرّ على الطغيان {وَصُدَّ عَنِ السبيل} أي: سبيل الرشاد.
قرأ الجمهور: {وصد} بفتح الصاد ، والدال ، أي: صدّ فرعون الناس عن السبيل ، وقرأ الكوفيون: {وصد} بضم الصاد مبنياً للمفعول ، واختار هذه القراءة أبو عبيد ، وأبو حاتم ، ولعلّ وجه الاختيار لها منهما كونها مطابقة لما أجمعوا عليه في زين من البناء للمفعول ، وقرأ يحيى بن وثاب ، وعلقمة: (صد) بكسر الصاد ، وقرأ ابن أبي إسحاق ، وعبد الرحمن بن أبي بكرة بفتح الصاد ، وضمّ الدال منوّناً على أنه مصدر معطوف على سوء عمله أي: زين له الشيطان سوء العمل ، والصدّ {وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِى تَبَابٍ} التباب: الخسار ، والهلاك ، ومنه {تَبَّتْ يَدَا أَبِى لَهَبٍ} [المسد: 1] ، ثم إن ذلك الرجل المؤمن أعاد التذكير ، والتحذير كما حكى الله عنه بقوله: {وَقَالَ الذي ءامَنَ يا قوم اتبعون أَهْدِكُمْ سَبِيلَ الرشاد} أي: اقتدوا بي في الدين أهدكم طريق الرشاد ، وهو: الجنة.
وقيل: هذا من قول موسى ، والأوّل أولى.