عَنْ زَيْدٍ الشَّامِيِّ, عَنْ مُهَاجِرٍ الْعَامِرِيِّ, قَالَ قَالَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: إِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخَافُ عَلَيْكُمُ اثْنَتَانِ: اتِّبَاعُ الْهَوَى وَطُولُ الأَمَلِ. فَأَمَّا اتِّبَاعُ الْهَوَى فَيَصُدُّ عَنِ الْحَقِّ, وَأَمَّا طُولُ الأَمَلِ فَيُنْسِي الآخِرَةَ, أَلا وَإِنَّ الآخِرَةَ قَدِ ارْتَحَلَتْ مُقْبِلَةً أَلا وَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ وَلَّتْ مُدْبِرَةً, وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بَنُونَ, فَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الآخِرَةِ وَلا تَكُونُوا مِنْ أَبْنَاءِ الدُّنْيَا, فَإِنَّ الْيَوْمَ عَمَلٌ وَلا حِسَابَ, وَغَدًا حِسَابٌ وَلا عَمَلَ.
(يَا صِحَاحَ الأَجْسَادِ كَيْفَ بَطَلْتُمْ ... لا لِعُذْرٍ عَنْ صَالِحِ الأَعْمَالِ)
(لَوْ عَلِمْتُمْ أَنَّ الْبَطَالَةَ تُجْدِي ... حَسْرَةً فِي مَعَادِكُمْ وَالْمَآلِ)
(لَتَبَادَرْتُمْ إِلَى مَا يَقِيكُمْ ... مِنْ جَحِيمٍ فِي بَعْثِكُمْ وَنَكَالِ)
(إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ غُرُورٌ ... أَبَدًا تُطْمِعُ الْوَرَى فِي الْمُحَالِ)
(كَيْفَ يَهْنِيكُمُ الْقَرَارُ وَأَنْتُمْ ... بَعْدَ تَمْهِيدِكُمْ عَلَى الارْتِحَالِ)
(الْهُدَى وَاضِحٌ فَلا تَعْدِلُوا عَنْهُ ... وَلا تَسْلُكُوا سَبِيلَ الضَّلالِ)
(وَأَنِيبُوا قَبْلَ الْمَمَاتِ وَتُوبُوا ... تَسْلَمُوا فِي غَدٍ مِنَ الأَهْوَالِ)
(فصل الدنيا لم تخلق للتنعيم)
تفكرت في قول شيبان الراعي لسفيان: يا سفيان عد منع الله إياك عطاء منه لك، فإنه لم يمنعك بخلاً، إنما منعك لطفاً. فرأيته كلام من قد عرف الحقائق.
فإن الإنسان قد يريد المستحسنات الفائقات فلا يقدر، وعجزه أصلح له، لأنه لو قدر عليهن تشتت قلبه إما بحفظهن أو بالكسب عليهن.
فإن قوي عشقه لهن ضاع عمره وانقلب هم الآخرة إلا اهتمام بهن.
فإن لم يردنه فذاك الهلاك الأكبر.
وإن طلبن نفقة لم يطقها كان سبب ذهاب مروءته وهلاك عرضه.
وإن أردن الوطء وهو عاجز فربما أهلكنه أو فجرن.
وإن مات معشوقه هلك هو أسفاً.
فالذي يطلب الفائق يطلب سكيناً لذبحه وما يعلم.
وكذلك إنفاذ قدر القوت فإنه نعمة، وفي الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: اللهم اجعل رزق آل محمد قوتاً.
ومتى كثر، تشتت الهمم، فالعاقل من علم أن الدنيا لم تخلق للتنعيم، فقنع بدفع الوقت على كل حال.
(فصل بع دنياك بآخرتك)