وَقَالَ: لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَأَشْبَهَ الْمَخْلُوقَاتِ لَأَنَّ مَا أَحَاطَتْ بِهِ الْأَمْكِنَةُ وَاحْتَوَتْهُ فَهُوَ مَخْلُوقٌ، فَشَيْءٌ لَا يَلْزَمُ وَلَا مَعْنَى لَهُ لِأَنَّهُ تَعَالَى لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ مِنْ خَلْقِهِ وَلَا يُقَاسُ بِشَيْءٍ مِنْ بَرِّيَّتِهِ، وَلَا يُدْرَكُ بِقِيَاسٍ وَلَا يُقَاسُ بِالنَّاسِ كَانَ قَبْلَ الْأَمْكِنَةِ وَيَكُونُ بَعْدَهَا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَقَدِ اتَّفَقَ الْمُسْلِمُونَ وَكُلُّ ذِي لُبٍّ أَنَّهُ لَا يَعْقِلُ كَائِنٌ إِلَّا فِي مَكَانٍ مَا وَمَا لَيْسَ فِي مَكَانٍ فَهُوَ عَدَمٌ وَقَدْ صَحَّ فِي الْعُقُولِ وَثَبَتَ بِالدَّلَائِلِ أَنَّهُ كَانَ فِي الْأَزَلِ لَا فِي مَكَانٍ وَلَيْسَ بِمَعْدُومٍ فَكَيْفَ يُقَاسُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ خَلْقِهِ؟ أَوْ يَجْرِي بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ تَمْثِيلٌ أَوْ تَشْبِيهٌ؟ تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا.
فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ: إِذَا وَصَفْنَا رَبَّنَا تَعَالَى أَنَّهُ كَانَ فِي الْأَزَلِ لَا فِي مَكَانٍ ثُمَّ خَلَقَ الْأَمَاكِنَ فَصَارَ فِي مَكَانٍ وَفِي ذَلِكَ إِقْرَارٌ مِنَّا بِالتَّغْيِيرِ وَالِانْتِقَالِ إِذْ زَالَ عَنْ صِفَتِهِ فِي الْأَزَلِ وَصَارَ فِي مَكَانٍ دُونَ مَكَانٍ.
قِيلَ لَهُ: وَكَذَلِكَ"زَعَمْتَ"أَنْتَ أَنَّهُ كَانَ لَا فِي مَكَانٍ ثُمَّ صَارَ فِي كُلِّ مَكَانٍ فَنَقَلَ صِفَتَهُ مِنَ الْكَوْنِ لَا فِي مَكَانٍ إِلَى صِفَةٍ هِيَ الْكَوْنُ فِي كُلِّ مَكَانٍ فَقَدْ تَغَيَّرَ عِنْدَكَ مَعْبُودٌ وَانْتَقَلَ مِنْ لَا مَكَانَ إِلَى كُلِّ مَكَانٍ فَإِنْ قَالَ: إِنَّهُ كَانَ فِي الْأَزَلِ فِي كُلِّ مَكَانٍ كَمَا هُوَ الْآنَ فَقَدْ أَوْجَبَ الْأَمَاكِنَ وَالْأَشْيَاءَ مَوْجُودَةً مَعَهُ فِي أَزَلِيَّتِهِ وَهَذَا فَاسِدٌ.
فَإِنْ قَالَ: فَهَلْ يَجُوزُ عِنْدَكَ أَنْ يَنْتَقِلَ مَنْ لَا مَكَانَ فِي الْأَزَلِ إِلَى مَكَانٍ.