ولما أجمل فصل وبين أو بدل بعد أن هول ، فقال بادئاً بمن كان عذابهم مثل عذابهم ، ودأبهم شبيهاً بدأبهم: {مثل دأب} أي عادة {قوم نوح} أي فيما دهمهم من الهلاك الذي محقهم فلم يطيقوه مع ما كان فيهم من قوة المحاولة والمقاومة لما يريدونه {وعاد وثمود} مع ما بلغكم من جبروتكم.
ولما كان هؤلاء أقوى الأمم ، اكتفى بهم وأجمل من بعدهم فقال: {والذين} وأشار بالجار إلى التخصيص بالعذاب لئلا يقال: هذه عادة الدهر ، فقال: {من بعدهم} أي بالقرب من زمانهم لا جميع من جاء بعدهم.
ولما كان التقدير: أهلكهم الله وما ظلمهم ، عبر عنه تعميماً مقروناً بما تضمنه من الخبر بدليله فقال: {وما الله} أي الذي له الإحاطة بأوصاف الكمال.
ولما كان في مقام الوعظ لهم ومراده ردهم عن غيهم بكل حال ، علق الأمر بالإرادة لأنها متى ارتفعت انتفى الظلم ، ونكر تعميماً فقال: {يريد ظلماً} أي يتجدد منه أن يعلق إرادته وقتاً ما بنوع ظلم {للعباد} لأن أحد لا يتوجه أبداً إلى أنه يظلم عبيده الذين هم تحت قهره ، وطوع مشيئته وأمره ، ومتى لم يعرفوا حقه وأرادوا البغي على من يعرف حقه عاقبهم ولا بد ، وإلا كان كفه ظلماً للمبغي عليهم.