يخبر أن أُولَئِكَ الذين كانوا من قبل هَؤُلَاءِ كانوا أشد من هَؤُلَاءِ قوة وأشد آثارا في الأرض، ثم لم يمنعهم شدة قوتهم في أبدانهم وأنفسهم وما ذكر من آثار الأرض ولم يدفعوا عن أنفسهم ما نزل بهم من عذاب اللَّه، فأنتم يا أهل مكة دونهم في البطش والقوة، فكيف تمنعون عذاب اللَّه إذا نزل بكم؟! واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَمَا كَانَ لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ) .
ذكر - واللَّه أعلم - أن أُولَئِكَ قد عبدوا الأصنام رجاء أن تشفع لهم في الآخرة وتقربهم إلى اللَّه زلفى، كما تعبدون أنتم على رجاء الشفاعة لكم والتقرب إليه، ولو كانت عبادتهم إياها طريق الشفاعة وسبب التقريب، لكان يغيثهم من عذاب اللَّه في الدنيا، وهو كما ادعت اليهود أنهم أبناء اللَّه وأحباؤه، فقال ردَّا عليهم بقوله: (قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ) . أي: في الدنيا لو كنتم على ما تزعمون؛ إذ لا أحد يهلك ويعذب ولده وحبيبه في الدنيا فعلى ذلك الأول.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَتْ تَأْتِيهِمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقَابِ(22)
فقوله: (ذَلِكَ) يقول: ذلك العذاب والإهلاك الذي نزل بهم لما كانت أتتهم رسلهم بالبينات، فكفروا وكذبوا الآيات والأدلة التي أتتهم رسلهم أنهم رسل اللَّه إليهم، فأصابهم ما أصابهم، كذلك فأنتم يا أهل مكة إذا كذبتم الرسول بعد ما أتتكم البينات والأدلة على رسالته، ينزل بكم ما نزل بأُولَئِكَ بالتكذيب والعناد ورد الآيات والأدلة، واللَّه أعلم.
وقوله: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا) .
يحتمل (بِآيَاتِنَا) . أي: بحججنا، وذكرنا أنه يحتمل أن الآيات والسلطان واحد، ويحتمل أنهما غيران.
وقوله: (إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ ...(24) . ليعلم أنه كان مبعوثًا إلى الكل لم يبعث إلى بعض دون بعض.