ثم ذكر سبحانه قصة موسى ، وفرعون ؛ ليعتبروا ، فقال: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا موسى بئاياتنا} هي: التسع الآيات التي قد تقدّم ذكرها في غير موضع {وسلطان مُّبِينٍ} أي: حجة بينة واضحة ، وهي: التوراة {إلى فِرْعَوْنَ وهامان وَقَشرُونَ فَقَالُواْ} إنه {ساحر كَذَّابٌ} أي: فيما جاء به ، وخصهم بالذكر ؛ لأنهم رؤساء المكذبين بموسى ، ففرعون الملك ، وهامان الوزير ، وقارون صاحب الأموال ، والكنوز {فَلَمَّا جَاءهُمْ بالحق مِنْ عِندِنَا} ، وهي: معجزاته الظاهرة الواضحة {قَالُواْ اقتلوا أَبْنَاء الذين ءامَنُواْ مَعَهُ واستحيوا نِسَاءهُمْ} قال قتادة: هذا قتل غير القتل الأوّل ، لأن فرعون قد كان أمسك عن قتل الولدان وقت ولادة موسى ، فلما بعث الله موسى أعاد القتل على بني إسرائيل ، فكان يأمر بقتل الذكور ، وترك النساء ، ومثل هذا قول فرعون: {سَنُقَتّلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِى نِسَاءهُمْ} [الأعراف: 127] {وَمَا كَيْدُ الكافرين إِلاَّ فِى ضلال} أي: في خسران ووبال ، لأنه يذهب باطلاً ، ويحيق بهم ما يريده الله عزّ وجلّ.
{وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِى أَقْتُلْ موسى} إنما قال هذا ؛ لأنه كان في خاصة قومه من يمنعه من قتل موسى مخافة أن ينزل بهم العذاب ، والمعنى: اتركوني أقتله {وَلْيَدْعُ رَبَّهُ} الذي يزعم: أنه أرسله إلينا ، فليمنعه من القتل إن قدر على ذلك ، أي: لا يهولنكم ذلك ، فإنه لا ربّ له حقيقة ؛ بل أنا ربكم الأعلى ، ثم ذكر العلة التي لأجلها أراد أن يقتله ، فقال: {إِنّى أَخَافُ أَن يُبَدّلَ دِينَكُمْ} الذي أنتم عليه من عبادة غير الله ، ويدخلهم في دينه الذي هو: عبادة الله وحده {أَوْ أَن يُظْهِرَ فِى الأرض الفساد} أي: يوقع بين الناس الخلاف ، والفتنة ، جعل اللعين ظهور ما دعا إليه موسى ، وانتشاره في الأرض ، واهتداء الناس به فساداً ، وليس الفساد إلا ما هو عليه هو ، ومن تابعه.