وفي ذكرهما رمز إلى أن الله أعلم حيث يجعل رسالَته وأنه لا يجاري أهواء الناس فيمن يرشحونه لذلك من كبرائهم {وقالوا لولا نُزِّل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم} [الزخرف: 31] .
وفي إِتْباع الوصفين العظيمين بأوصاف {غافر الذنب وقَابِل التَّوْب شَديد العِقاب ذِي الطَّول} ترشيح لذلك التعريضضِ كأنه يقول: إن كنتم أذنبتم بالكفر بالقرآن فإن تدارك ذنبكم في مكنتكم لأن الله مقرَّر اتصافه بقبول التوبة وبغفران الذنب فكما غفر لمن تابوا من الأمم فقبل إيمانهم يغفر لمن يتوب منكم.
وتقديم {غافر} على {قابل التوب} مع أنه مرتب عليه في الحصول للاهتمام بتعجيل الإِعلام به لمن استعدّ لتدارك أمره فوصفُ {غافر الذنب وقابل التوب} تعريض بالترغيب ، وصِفتا {شَدِيد العقاب ذِي الطَّول} تعريض بالترهيب.
والتوبُ: مصدر تاب ، والتوب بالمثناة والثوب بالمثلثة والأَوْب كلها بمعنى الرجوع ، أي الرجوع إلى أمر الله وامتثاله بعد الابتعاد عنه.
وإنما عطفت صفة {وقَابِل التَّوْب} بالواو على صفة {غَافِر الذنب} ولم تُفْصَل كما فُصِلت صفتا {العليمِ} [غافر: 2] {غافرِ الذنب} وصفة {شديد العقاب} إشارة إلى نكتة جليلة وهي إفادة أن يجمَع للمذنب التائب بين رحمتين بين أن يقبل توبته فيجعلها له طاعة ، وبين أن يمحو عنه بها الذنوب التي تاب منها وندِم على فعلها ، فيصبحَ كأنه لم يفعلها.
وهذا فضل من الله.
وقوله: {شديد العقاب} إفضاء بصريح الوعيد على التكذيب بالقرآن لأن مجيئه بعد قوله: {تنزيلُ الكِتَاب مِن الله} [غافر: 2] يفيد أنه المقصود من هذا الكلام بواسطة دلالة مستتبعات التراكيب.