في الآية الأولى صورة من صور مواقف الكفار. فإذا ذكر الله وحده انقبضت قلوبهم ونفروا في حين أنهم يسرّون ويستبشرون إذا ما ذكر شركاؤه. وفي الآية الثانية أمر للنبي صلى الله عليه وسلم بالاتجاه إلى الله تجاه هذا الموقف الباطل السخيف قائلا اللهم خالق السموات والأرض عالم الخفي والظاهر والحاضر والمستقبل أنت الذي تقضي بين عبادك فيما هم فيه مختلفون فتؤيد الحق وأهله وتزهق الباطل وحزبه وتجزي كلا منهم بما يستحقه.
والآيتان متصلتان بما سبقهما اتصال سياق وموضوع كما هو واضح، وقد انطوى فيهما تبكيت على سخف المشركين وضلالهم في موقفهم بعد أن لزمتهم الحجة التي كان من مظاهرها إظهار عجز الشركاء عجزا مطلقا في كل شيء. كما انطوى فيهما تثبيت للنبي صلى الله عليه وسلم وإشعار بالوثوق والاستعلاء في موقفه من المشركين.
وجملة الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ كوصف للمشركين تنطوي على توكيد كون موقفهم ناشئا عن عدم إيمانهم بالآخرة وبعبارة أخرى عن عدم خوفهم من العواقب بعد الموت. وقد تكرر هذا أكثر من مرة. ومرت أمثلة منه. وينطوي فيه حكمة من حكم الله عز وجل في الحياة الأخروية والإنذار القرآني المستمر بها، لأن الخوف منها يجعل الإنسان يرعوي عن مواقف الإثم والضلال والانحراف.
ولقد روى البغوي في سياق الآية الثانية أن عائشة قالت: «إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفتتح صلاة الليل بقوله اللهمّ ربّ جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلف فيه من الحقّ بإذنك إنّك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم» .
وأورد ابن كثير في سياقها حديثا رواه الإمام أحمد عن عبد الله بن مسعود قال: