والمعنَى: لأنا نزلنا عليك الكتاب بالحق لفائدة الناس وكفاك ذلِك شرفاً وهدايةً وكفاك تبليغه إليهم فمن اهتدى من الناس فهدايته لنفسه بواسطتك ومن ضل فلم يهتد به فضلاَلُه على نفسه وما عليك من ضلالهم تَبعة لأنك بلغتَ ما أمرتَ به.
ولذلك خولف بين ما هنا وبين قوله في صدر السورة {إنَّا أنزلنا إليك الكتاب للناس بالحق} [القصص: 2] ، لأن تلك في غرض التنويه بشأن النبي صلى الله عليه وسلم فناسب أن يكون إنزال الكتاب إليه ، و {للنَّاس} متعلق بـ {أنزلنا ،} و {بالحَقِّ} حال من {الكِتَاب} ، والباء للملابسة ، واللام في {للنَّاس} للعلة ، أي لأجل الناس.
وفي الكلام مضاف مفهوم مما تؤذن به اللام من معنى الفائدة والنفع أي لنفع الناس ، أو مما يؤذن به التفريع في قوله: {فَمَن اهتدى} الخ.
وفاء {فَمَننِ اهتدى فَلِنَفْسِه} للتفريع وهو تفريع ناشئ من معنى اللام.
و (مَنْ) شرطية ، أي من حصل منه الاهتداء في المستقبل فإن اهتداءه لفائدة نفسه لا غير ، أي ليست لك من اهتدائه فائدة لذاتك لأن فائدة الرسول صلى الله عليه وسلم (وهي شرفه وأجره) ثابتة عن التبليغ سواء اهتدى من اهتدى وضل من ضل.
وتقدم نظير هذه الآية في قوله: {قل يا أيها الناس قد جاءكم الحق من ربكم فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه} آخر سورة يونس (108) ، وفي قوله: {وأمرت أن أكون من المسلمين وأن أتلو القرآن فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه} في آخر سورة النمل (91 ، 92) ، ولكن جيء في تينك الآيتين بصيغة قصر الاهتداء على نفس المهتدي وتُرك ذلك في هذه السورة ، ووجْهُ ذلك أن تينك الآيتين واردتان بالأمر بمخاطبة المشركين فكان المقام فيهما مناسباً لإِفادة أن فائدة اهتدائهم لا تعود إلا لأنفسهم ، أي ليست لي منفعة من اهتدائهم ، خلافاً لهذه الآية فإنها خطاب موجه من الله إلى رسوله ليس فيها حالُ من ينزل منزلة المُدل باهتدائه.