{فاستفتهم أَلِرَبّكَ البنات وَلَهُمُ البنون} معطوف على مثله ، في أول السورة أمر رسوله أولاً باستفتاء قريش عن وجه إنكارهم البعث ، وساق الكلام في تقريره جاراً لما يلائمه من القصص موصولاً بعضها ببعض ، ثم أمر باستفتائهم عن وجه القسمة حيث جعلوا لله البنات ولأنفسهم البنين في قولهم: الملائكة بنات الله ، وهؤلاء زادوا على الشرك ضلالات أخر ، التجسيم وتجويز الفناء على الله تعالى ، فإن الولادة مخصوصة بالأجسام الكائنة الفاسدة ، وتفضيل أنفسهم عليه حيث جعلوا أوضع الجنسين له وأرفعهما لهم ، واستهانتهم بالملائكة حيث أنثوهم ولذلك كرر الله تعالى إنكار ذلك وإبطاله في كتابه مراراً ، وجعله مما {تَكَادُ السماوات يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأرض وَتَخِرُّ الجبال هَدّاً} والإِنكار ها هنا مقصور على الأخيرين لاختصاص هذه الطائفة بهما ، أو لأن فسادهما مما تدركه العامة بمقتضى طباعهم حيث جعل المعادل للاستفهام عن التقسيم.
{أَمْ خَلَقْنَا الملائكة إناثا وَهُمْ شاهدون} وإنما خص علم المشاهدة لأن أمثال ذلك لا تعلم إلا بها ، فإن الأنوثة ليست من لوازم ذاتهم لتمكن معرفته بالعقل الصرف مع ما فيه من الاستهزاء ، والإشعار بأنهم لفرط جهلهم يبتون به كأنهم قد شاهدوا خلقهم.
{أَلاَ إِنَّهُم مِّنْ إِفْكِهِمْ لَيَقُولُونَ وَلَدَ الله} لعدم ما يقتضيه وقيام ما ينفيه. {وَإِنَّهُمْ لكاذبون} فيما يتدينون به ، وقرئ"وَلَدَ الله"أي الملائكة ولده ، فعل بمعنى مفعول يستوي فيه الواحد والجمع والمذكر والمؤنث.
{أَصْطَفَى البنات على البنين} استفهام إنكار واستبعاد ، والاصطفاء أخذ صفوة الشيء ، وعن نافع كسر الهمزة على حذف حرف الاستفهام لدلالة أم بعدها عليها أو على الإِثبات بإضمار القول أي: لكاذبون في قولهم اصطفى ، أو إبداله من {وَلَدَ الله} .
{مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ} بما لا يرتضيه عقل.