قال المفسِّرون: بلغهم ما صنع إبراهيم ، فأسرعوا ، فلمّا انتَهَوْا إِليه ، قال لهم محتجّاً عليهم: {أتَعْبُدونَ ما تَنْحِتُونَ} بأيديكم {واللهُ خَلَقَكم وما تَعْمَلونَ} ؟! ، قال ابن جرير: في {ما} وجهان.
أحدهما: أن تكون بمعنى المصدر ، فيكون المعنى: واللهُ خَلَقَكم[وَعمَلَكم.
والثاني: أن تكون بمعنى"الذي"فيكون المعنى: واللهُ خَلَقَكم]وَخلَقَ الذي تعملونه بأيديكم من الأصنام ؛ وفي هذه الآية دليل على أن أفعال العباد مخلوقة [لله] .
فلمّا لَزِمَتْهم الحُجَّة {قالوا ابنوا له بُنْياناً} وقد شرحنا قصته في سورة [الأنبياء: 52 - 74] وبيَّنَّا معنى الجحيم في [البقرة: 119] والكّيْدُ الذي أرادوا به: إِحراقُه.
ومعنى قوله: {فجعلْناهم الأَسفَلِينَ} أن إبراهيم علاهم بالحُجَّة حيث سلَّمه الله من كيدهم وحلَّ الهلاكُ بهم.
(وقال) يعني إبراهيم {إنِّي ذاهبٌ إلى ربِّي} في هذا الذَّهاب قولان:
أحدهما: أنه ذاهب حقيقة ، وفي وقت قوله هذا قولان:
أحدهما: أنه حين أراد هِجرة قومه ؛ فالمعنى: إنِّي ذاهب إلى حيث أمرني ربِّي عز وجل {سيَهدينِ} إلى حيث أمرني ، وهو الشام ، قاله الأكثرون.
والثاني: حين أُلقي في النّار ، قاله سليمان بن صُرَد.
فعلى هذا في المعنى قولان:
أحدهما: ذاهب إِلى الله بالموت ، سيَهدينِ إلى الجَنَّة.
والثاني: [ذاهب] إلى ماقضى [به] ربي ، سيَهدين إِلى الخَلاص من النّار.
والقول الثاني: إِنِّي ذاهب إلى ربِّي بقلبي وعملي ونيَّتي ، قاله قتادة.
فلما قَدِم الأرض المقدَّسة ، سأل ربَّه الولدَ فقال {ربِّ هَبْ لي من الصَّالحِينَ} أي: ولداً صالحاً من الصَّالحينِ ، فاجتزأ بما ذكر عمّا ترك ، ومثله {وكانوا فيه من الزاهدين} [يوسف: 20] فاستجاب له ، وهو قوله: {فبشَّرْناه بغُلامٍ حليمٍ} وفيه قولان:
أحدهما: أنه إِسحاق.
والثاني: أنه إِسماعيل.