يوسف 94، لأن في قميص يوسف شيئاً من رائحته. ومع تقدُّم العلم عرفنا أن الرائحة هي أقوى الآثار الدالة على الإنسان، وأن للرائحة بصمة كبصمة اليد أو بصمة الصوت لذلك حتى في لغتنا العامية نقول مش ح اخللي لفلان ريحه، وكأن الرائحة هي آخر أثر يمكن أنْ يتبقَّى للإنسان في المكان. كذلك يزيد الله في الخلق مَا يشاء في حاسة الذوق، وبعض الناس حرفته وعمله أنه ذوَّاقة يذوق الطعام، ويزيد الله في الخَلْق ما يشاء في حاسة اللمس، وكلنا رأى الصراف في البنك بمجرد أنْ تلمس أصابعه العملة يعرف جَيِّدها من زائفها. كل هذه المعاني نفهمها من قوله تعالى {يَزِيدُ فِي الْخَلْقِ مَا يَشَآءُ} فاطر 1 ثم تختم الآية بما يُطمئِن القلوب إلى هذه الطلاقة {إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} فاطر 1 هذه هي العلة، يعني لا تتعجب، فهي قدرة الله التي لا يُعجزها شيء، وشيء هذه تعد جنس الأجناس لأنها تشمل من الذرَّة إلى المجرَّة، وهو سبحانه يقول للشيء كُنْ فيكون، فكأنه موجود في علم الغيب ينتظر الأمر بأن يظهر. وبعضهم قال يَزِيدُ في الحَلْق بالحاء، والمراد جمال وعذوبة الصوت لأن الصوتَ وسيلةٌ لنقل خواطر المتكلم إلى السامع، وهذه يكفي لها أيُّ صوت، فإنْ كان الصوت جميلاً عَذْباً، فهذه زيادة وفضل من الله. ومن أغرب ما رواه لنا تاريخ العرب، ويُعَدُّ دليلاً على الزيادة في الخَلْق، والمواهب التي يختصُّ الله بها مَنْ يشاء ما رُوى عن نزار ابن معد بن عدنان، وقد رزقه الله أربعة من الأولاد هم مُضَر. ومن قبيلته جاء سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وربيعة، وإياد، وأنمار، فلما أحسَّ نزار بدُنُوِّ أجله جمع أولاده الأربعة وقال لهم أريد أنْ أدلَّكم على تركتكم مني قبل أن أموت القبة الحمراء لمضر، والفرس الأسود والخباء الأسود لربيعة، والشمطاء لإياد، ومجلس القوم وندّيه لأنمار.