ذكرناه وما انجرّ في السورتين مما ظاهره الخروج من هاذين الغرضين فملتحم ومستدعى بحكم الانجرار بحسب استدعاء مقاصد الآي - رزقنا الله الفهم عنه بمنه وكرمه - انتهى.
ولما وصف سبحانه نفسه المقدس بالقدرة الكاملة ، دل على ذلك بما يشاهده كل أحد في نفسه من السعة والضيق مع العجز عن دفع شيء من ذلك أو اقتناصه ، فقال مستأنفاً أو معللاً مستنتجاً: {ما} أي مهما {يفتح الله} أي الذي لا يكافئه شيء.
ولما كان كل شيء من الوجود لأجل الناس قال: {للناس} ولما كان الإنعام مقصوداً بالذات محبوباً ، وكانت رحمته سبحانه قد غلبت غضبه ، صرح به فقال مبيناً للشرط في موضع الحال من ضميره أي يفتحه كائناً: {من رحمة} أي من الأرزاق الحسية والمعنوية من اللطائف والمعارف التي لا تدخل تحت حصر دقت أو جلت فيرسلها {فلا ممسك لها} أي الرحمة بعد فتحه كما يعلمه كل أحد في نفسه أنه إذا حصل له خير لا يعدم من يود أنه لم يحصل ، ولو قدر على إزالته لأزاله ، ولا يقدر على تأثير ما فيه.
ولما كان حبس النعمة مكروهاً لم يصرح به ، وترك الشرط على عمومه بعد أن فسر الشرط الأول بالرحمة دلالة على مزيد الاعتناء بها إيذاناً بأن رحمته سبقت غضبه فقال: {وما يمسك} أي من رحمة أو نعمة بإغلاق باب الخلق عنه {فلا مرسل له} أي الذي أمسكه بمثل البرهان الماضي في الرحمة.
ولما كان ربما ادعى فجوراً حال إمساك الرحمة أو النقمة أنه هو الممسك قال: {من بعده} أي بعد إمساكه ، فمن كان في يده شيء فليمسك ما أتى به الله حال إيجاده بأن يعدمه.
ولما كان هذا ظاهراً في العزة في أمر الناس والحكمة في تدبيرهم عمم فقال: {وهو} أي هو فاعل ذلك والحال أنه وحده {العزيز} أي القادر على الإمساك والإرسال الغالب لكل شيء ولا غالب له {الحكيم} الذي يفعل في كل من الإمساك والإرسال وغيرهما ما يقتضيه علمه به ويتقن ما أراد على قوانين الحكمة ، فلا يستطاع نفض شيء منه.