قال الغزالي: ووجدت التَّقْوى بمعنى اجْتِناب فُضولِ الحلالِ ، وهو ما فِي الخَبَر المشهور عن النبيّ صلَّى الله علهي وسلَّم أَنَّه قال:"إِنَّما سُمِّىَ المُتَّقُونَ متقين"
لِتَرْكِهِم مَالاَ بأَسَ حَذَراً عمّا به بَأسٌ"فأَحببت أَن أَجمع بين ما قالَه عُلماؤنا وبين ما فِي الخبر النَّبويّ فيكون حَدّاً جامِعاً ، ومعنى بالِغاً فأَقول: التَّقْوَى اجْتِناب ما تَخاف ضرراً فِي دِينِكَ وذلك قسمان: مَحْضُ الحَرام ، وفُضُول الحَلال ، لأَنَّ استِعْمال فُضُول الحَلال قد يُخْرِج صاحِبَه إِلى الحرامِ ومَحْضِ العِصْيان ، وذلك لِشِرَّةِ النَّفْسِ وطُغْيانِها ، فمن أَراد أَنْ يَأْمَن الضَّررَ فِي دِينه اجْتنبَ المحظورَ وامتنعَ عن فُضُول الحلالِ حَذَراً أَن يَجُرَّه إِلى مَحضِ الحَرام."
وحَصل من ذلك أَنَّ التَّقْوَى على قسمين: فَرْضٌ ونَفْلٌ ، فالفَرْضُ ما تَقَدَّم من أَنَّها تنزيهُ القلبِ عن شَرٍّ لم يَسْبِق عَنْك مثلُه لِقُوَّة العَزْم على تَرْكِه حتيّ يصير ذلك وِقايَةً بينك وبين كُلّ شرٍّ.
والنَّفْل: ما نُهِىَ عنه نَهْىَ تأدِيب ، وهو فُضُول الحَلال ، فالمباحاتُ المأَخوذات بالشُّبُهات ؛ فالأُولَى يلزمُ بِتَرْكِها عذابُ النار ، والثَّانية خَيْرٌ وأَدَب يلزم بتركها الحَبْسُ والحِساب ، والتَّعْيير والَّلوْم.
فمن أَتَى بالأُولى فهو فِي الدّرجة الأَدْنَى من التَّقْوَى ، ومن أَتَى بالأُخْرَى فهو فِي الدّرجة العُلْيا.
واعلم أَنَّ التَّقْوَى كَنْزٌ عزيزٌ ، إِنْ ظَفِرْتَ به فكم تجد فيه من جَوْهَرٍ شريف وعِلْقٍ نفيس ، وخير كثيرٍ ، ورِزْقٍ كريم ، وغُنْمٍ جسيم ومُلْك عظيم.
فهي الخَصْلة الَّتى تجمع خَيْرَ الدّنيا والآخِرة.