ثم إن هذا الأمر بعدم طاعتهم وهم القادة والصناديد وما زالت الدعوة وليدة تحتاج إلى مهادنة مع أعدائها ، وربما يقول قائل: ولِمَ لم يهادنهم رسول الله حتى يشتدَّ عود الدعوة ، فهم سادة القوم وأصحاب الكلمة والمهابة؟ لكن منطق الحق يرفض هذه المهادنة ، ويرفض أن يعتمد رسول الله إلا على الله ؛ لذلك قال في الآية بعدها:
{وَتَوَكَّلْ على الله وكفى بالله وَكِيلاً} [الأحزاب: 3]
ثم يقول سبحانه: {إِنَّ الله كَانَ عَلِيماً حَكِيماً} [الأحزاب: 1] فالعلم غير الحكمة ، العلم أن تعلم القضايا ، أمّا الحكمة فأنْ تُوظِّف هذه القضايا في أماكنها ، فالعلم وحده لا يكفي ، فالصفتان متلازمتان متكاملتان ، كما في قوله تعالى: {إِنَّ خَيْرَ مَنِ استأجرت القوي الأمين} [القصص: 18]
فالقوي إنْ كان خائناً لم تنفعك قوته ، كذلك إنْ كان الأمين ضعيفاً فلا تنفعك أمانته ؛ لذلك لما اشتكى أمير المؤمنين إلى أحد خاصته من أهل العراق ، يقول: إن استعملتُ عليهم القوي يَفْجُروه ، وإن استعملتُ عليهم الضعيف يُهينَوه ، فقال له: إن استعملت عليهم القوي فلك قوته وعليه فجوره ، فقال له أمير المؤمنين: ما دُمْتَ قد عرفتَ هذا فلا أُوَلِّى عليهم غيرك .
إذن: فالعلم يعطيك قضايا الخير كله ، والحكمة أنْ تضع الشيء في موضعه ، والقضية في مكانها .
ثم يقول الحق سبحانه: {واتبع مَا يوحى إِلَيْكَ ...} .