والحق سبحانه حين ينهى رسوله عن طاعة الكافرين والمنافقين إنما يُبيِّن له طبيعتهم ، وحقيقة عدائهم له ، فهُمْ غير مخلصين له ، وعليه أن يتهم أمرهم إنْ أمروه ويتهم نهيهم إنْ نَهوْه ، وكيف يُخلِصون في أمره أو نهيه ، وقد جاء ليصادم سيادتهم ، ويكسر جبروتهم وكفرهم؟
وهَبْهم مخلصين لك لأنك من قريش ، ويريدون نصرتك فينقصهم في نُصْحهم لك العلم والحكمة ، فلا يصح إذن أنْ تقارن بين طاعة الله وطاعة هؤلاء ، مهما كانوا مخلصين لك .
كما نلحظ أن القوم فعلاً طلبوا من رسول الله أشياء ، فكأن الله نبهه قبل أنْ يطلبوا منه إلى ما يُطلب منه من مخالفتهم وعدم طاعتهم ، والطاعة فيها مطيع ومطاع ، وهم يريدون أن يكونوا مطاعين ، ورسول الله طائع ممتثل لأمرهم ، لكن كيف تقلب المسألة بهذا الشكل ، وما جاء رسول الله إلا ليُشرِّع للناس فيطيعوه ، فهو الذي يأمر ، وهو الذي يُطاع .
فكأن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول لهم: كيف أقارن بينكم وبين ربي؟ وقد ثبت ذلك فقد جاء أبو سفيان وعكرمة بن أبي جهل والوليد بن المغيرة والأعور السلمي وانضم إليهم وفد ثقيف ، جاءوا جميعاً إلى المدينة واجتمعوا بعبد الله بن أُبيٍّ ، وعبد الله بن سعد بن أبي السرح ، وقد أمَّنهم رسول الله فقالوا: يا محمد كُفَّ عن آلهتنا: اللات والعزى ومناة ، واشهد بأن شفاعتهم تُقبل عند الله ، ونريد أن تحفظ لنا كرامتنا ومهابتنا بين العرب ، فمتِّعنا بآلهتنا سنة وأقرنا على ذلك ، ونتركك وشأنك مع ربك .
فنهاه الله {وَلاَ تُطِعِ الكافرين والمنافقين . .} [الأحزاب: 1] لأنك لا ينبغي أن تتراجع أمامهم في شيء أبداً ، وإلاّ لكنتَ خاضعاً لهذه السيادة المزعومة ، ولأعطيتهم الفرصة حين تطاوعهم ؛ لأنْ يقولوا: لقد أطاعنا محمد فيصيرون هم الهادين ، وأنت المهدي .