هكذا التزم المسلمون الأوائل بشرع الله ، واستطاعوا لا نقول سجن المخالف ، إنما سجن المجتمع عنه ، وهذه المسألة هي سبب الأزمة التي تعيشها بلدنا الآن ، فالمجرم الذي يعيش بيننا ، أليس معلوماً لأهل المنزل الذي يعيش فيه ، بل لأهل الحي والشارع؟
فهل ذهب واحد منهم إلى تاجر فقال له: أعطني كذا فقال: لا ليس عندي وقطاعه؟ هل سلَّم واحد منهم على شخص ، فلم يردّ عليه السلام؟
إذن: المجتمع كله يتحمل هذه المسئولية ، ويتحمل الإثم عليها ؛ لأنه تستَّر على هؤلاء ، لدرجة أن نقول: إن المجتمع نفسه مجرم أكثر من المجرمين .
وينبغي قبل أنْ نتكلم عن المجرم نتكلم معه نحاوره وننصحه ونحسن إليه قبل أن نقاطعه ، نفهم هذا المعنى من قول سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم:"أعظم الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر"ولم يقل على سلطان جائر . فقبل أنْ نفضحه ونُشنَّع عليه يجب أنْ نتكلم معه ، وأنْ ننصحه حتى يعلم أنك تريد به الخير ، وتريد أنْ ترده إلى الجادة فيقبل منك ، وعلى الأقل لا يضرك ، إنما آفتنا أننا نُشنِّع على المجرم ، وربما نُحمِّله فوق الصدق الواحد ألف كذب لمجرد كراهيتنا له .
لذلك قال العربي في صفات الناس: إنْ علموا الخير أخفوه ، وإنْ علموا الشر أذاعوه ، وإنْ لم يعلموا كذبوا .
إذن: معنى التغيير بالقلب أن يكون قالبك موافقاً لقلبك ، وهذه لا تُكلِّفك شيئاً ، على خلاف التغيير باليد أو باللسان ؛ لذلك وصفه رسول الله بأضعف الإيمان ، يعني أنها مسألة يقوم بها الضعيف .
وبعزل المجتمع عن المجرم تنتهي ظاهرة الإجرام ، وما استشرى الإجرام إلا حين خاف الناس من المجرمين وتملّقوهم وتودَّدوا إليهم ربما لاتقاء شَرِّهم ، ولم لا يزداد المجرم في إجرامه والأمر كذلك؟